رمضان في بيت النبوة.. قصة بدء نزول الوحي
لم تكن ليلة عادية من ليالي رمضان، ولم يكن غار حراء مجرد صخرة في جبل، بل كان مسرح اللحظة التي تغير فيها وجه التاريخ، وفي الحلقة الثالثة من سلسلة «رمضان في بيت النبوة» نسرد ليكم قصة «نزول الوحي في رمضان على النبي محمد صلى الله عليه وسلم»، نعود إلى البداية الأولى، إلى اللحظة التي اصطفى الله فيها نبيه محمدًا ليحمل رسالة السماء إلى الأرض، فكان رمضان شاهدًا على ميلاد النور.
تمهيد السماء
بدأ الأمر بالرؤيا الصادقة، فكان النبي صلى الله عليه وسلم لا يرى رؤيا في نومه إلا جاءت واضحة كضوء الصبح، لا لبس فيها ولا غموض.
استمرت هذه المرحلة قرابة ستة أشهر، في إعداد روحي عميق، وكأن السماء تمهد للنبي صلى الله عليه وسلم طريق اللقاء الأكبر، ثم حبب إليه الخلاء، فكان يعتزل صخب مكة وضجيجها، ويتجه إلى غار حراء فيتعبد الليالي ذوات العدد، متأملًا في ملكوت الله، باحثًا بقلبه الطاهر عن الحقيقة في زمن طغت فيه عبادة الأصنام.
كان يتزود بالطعام ثم يعود إلى السيدة خديجة رضي الله عنها، فيتزود لمثلها، حتى جاءه الحق وهو في ذلك الغار الهادئ، بعيدًا عن أعين الناس، قريبًا من السماء.
ليلة التحول
في ليلة الاثنين، لإحدى وعشرين مضت من شهر رمضان، الموافق العاشر من أغسطس سنة 610 ميلادية، وكان عمره صلى الله عليه وسلم أربعين عامًا، نزل عليه جبريل عليه السلام لأول مرة. فجأة انشق الصمت في الغار بصوت الملك يقول: «اقرأ».
كانت الكلمة ثقيلة على قلب لم يعتد القراءة، فقال: «ما أنا بقارئ». فأخذه فغطّه حتى بلغ منه الجهد، ثم أرسله، وكرر الأمر ثلاث مرات، حتى نزلت الآيات الخمس الأولى من سورة العلق: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾.
كانت هذه اللحظة إعلانًا صريحًا ببدء الرسالة، وتأسيسًا لعلاقة جديدة بين السماء والأرض. لم تكن مجرد آيات، بل كانت إيذانًا بعهد العلم والنور، وانطلاق مشروع حضاري سيغيّر مسار الإنسانية.
رجفة وبشارة
عاد النبي صلى الله عليه وسلم من الغار وقلبه يرتجف من هول التجربة، ودخل على السيدة خديجة رضي الله عنها يقول: «زملوني زملوني»، احتوته بثبات، وطمأنته بكلمات ستظل شاهدة على عمق إيمانها: «كلا والله لا يخزيك الله أبدًا، إنك لتصل الرحم، وتقري الضيف، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتعين على نوائب الحق».
لم تكن كلمات مواساة فقط، بل كانت شهادة على صفاته قبل النبوة، ودليلًا على أن من اصطفاه الله لحمل رسالته قد هيأه لها خلقًا وسلوكًا. ثم انطلقت به إلى ورقة بن نوفل، الذي أكد أن الذي نزل عليه هو الناموس الذي نزل على موسى عليه السلام، وأن طريق الدعوة لن يكون سهلًا، إذ قال: «لم يأت أحد بمثل ما جئت به إلا عودي».
بين الفتور واليقين
ثم جاءت فترة انقطاع الوحي، فاشتد الحزن في قلب النبي صلى الله عليه وسلم، شوقًا إلى كلام السماء، وخشية أن يكون قد انقطع عنه الفضل.
كان كلما طال عليه الأمد، تبدى له جبريل عليه السلام مؤكدًا له أنه رسول الله حقًا، فيهدأ قلبه وتطمئن نفسه. كانت تلك المرحلة درسًا في الصبر والثبات، وتأكيدًا أن طريق الرسالة محفوف بالاختبار كما هو محفوف بالاصطفاء.