رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

اعتاد كل جيل من المؤرخين وعلماء السياسة تفسير سلوك روسيا من خلال أيديولوجيتها السائدة، سواء الأرثوذكسية القيصرية، أو من بعدها الشيوعية الثورية، أو القومية السيادية المعاصرة، لكن الثابت المتكرر على مدار قرون هو ثبات نمط التفكير الاستراتيجي الروسي رغم تبدل العقائد والأنظمة.

وفي حقيقة الأمر، بتأمل التجربة التاريخية للدولة الروسية، نجد أن سياساتها الخارجية ليست نتاج فكرة سياسية بقدر ما هي نتاج موقع تاريخي ثابت.

لفهم ذلك لا يبدأ التحليل من موسكو بل من القسطنطينية. فالإمبراطورية البيزنطية لم تكن مجرد دولة مسيحية شرقية، بل مركز نظام سياسي يرى نفسه الوريث الشرعي والامتداد العضوي لروما القديمة، ويعتبر نفسه كيانًا عالميًا في مواجهة أوروبا اللاتينية التي استبدلت الحكم الإمبراطوري بممالك وإمارات خاضعة لنفوذ الكنيسة الكاثوليكية. العلاقة بين الطرفين لم تقم على وحدة الدين بقدر ما اتسمت بالشك والصدام، وبلغت ذروتها عندما أسقط الصليبيون القسطنطينية عام 1204. منذ تلك اللحظة تشكل نمط تفاعل واضح: شرق إمبراطوري أرثوذكسي يسعى إلى مجال حيوي آمن، وغرب أوروبي وجنوب إسلامي آخذين في التوسع.

عندما سقطت القسطنطينية نهائيًا عام 1453 في يد الدولة العثمانية، لم يكن الحدث دينيًا فقط بل جيوسياسيًا. اختفى مركز العالم الأرثوذكسي، فتبنت موسكو دوره تدريجيًا، وظهرت فكرة “روما الثالثة”. لم يكن الأمر مجرد تبنٍّ رمزي للقب القيصر أو لشعار النسر ذي الرأسين، بل انتقالًا لمفهوم الدولة نفسها: كيان محاط بالتهديدات، وأمنه يتحقق بالمسافات العازلة لا بالحدود الثابتة.

لهذا لم تُفهم الحدود في الفكر الروسي يومًا بوصفها خطوطًا نهائية، بل خطوط تماس مؤقتة. فالأمن لا يتحقق عند خط الحدود بل خلفه.

عندما دخلت روسيا توازنات القوى الأوروبية بعد حرب الشمال الكبرى ضد السويد (1700–1721) أصبحت قوة أوروبية عظمى، لكنها لم تكن بأي حال من الأحوال قوة أوروبية تقليدية. ففي الوقت الذي قامت فيه الدبلوماسية الأوروبية على محاولة تثبيت الحدود منذ صلح وستفاليا في منتصف القرن السابع عشر، قام التفكير الاستراتيجي الروسي على تحريكها لضمان الاستقرار.

ثم جاءت حملة نابليون عام 1812 التي وصلت إلى قلب موسكو قبل أن يهزمها الشتاء الروسي لتؤكد الدرس: بقاء الدولة سيظل مرتبطًا دائمًا باتساع المجال العازل. وبعد حملة نابليون بعقود، كرّست حرب القرم (1853–1856) قناعة أعمق لدى موسكو بأن القوى الأوروبية ستتكتل دائمًا لاحتواء روسيا وتحجيم نفوذها القاري، مما رسخ وضعية الغرب كتهديد مستدام في العقل الاستراتيجي الروسي. أدت هذه التجارب التي مرت بها روسيا على مدار قرنين إلى دمج مفاهيم الدفاع والتوسع في فكرة واحدة في قاموسها الاستراتيجي؛ أي تكون المقاربة ببساطة: الأمن لا يتحقق إلا عبر العمق.

بعد سقوط الحكم القيصري واستبداله بالنظام الشيوعي، أعلن الاتحاد السوفيتي قطيعة مع الإمبراطورية ومنطقها التوسعي. غير أن هذا الطلاق مع الإرث التاريخي الروسي لم يدم طويلًا؛ إذ سرعان ما اصطدمت مثالية البلاشفة بقسوة الجغرافيا وذاكرة الغزوات القريبة. فقد بدأ التمدد السوفيتي غربًا مع الحرب العالمية الثانية، حتى قبل أن تدخلها موسكو رسميًا، ثم جاء الغزو الألماني الشامل عام 1941 الذي أعاد إلى الأذهان حملة نابليون ليؤكد للقيادة السوفيتية أن الدولة ستظل أسيرة واقع تفرضه الجغرافيا ومنطق التاريخ على تلك المساحة الشاسعة. لذلك أنشأ ستالين الحزام الأمني في شرق أوروبا بعد عام 1945. وتغيرت اللغة من حماية حدود الإمبراطورية إلى تأمين عمق الكتلة الاشتراكية، بينما ظل المنطق الاستراتيجي واحدًا.

بعد نهاية الحرب الباردة عام 1991 بدا أن هذا النمط قد انتهى. لكن توسع حلف الناتو شرقًا، خاصة موجتي 1999 و2004، أعاد إحياءه في الوعي الروسي. فالمسألة في موسكو لا تُقرأ فقط كتوسع لتحالف أمني بل كاقتراب عسكري خطير من الممرات التي استخدمها الغزاة الغربيون في 1812 و1941. وهكذا عاد التصور القديم ليحكم المنطق الاستراتيجي الروسي، أي تقلص المسافة العازلة يعني ازدياد الخطر، بصرف النظر عن النوايا المعلنة. والنتيجة الحتمية لتجاهل الغرب للمخاوف الأمنية الروسية التي تنطلق من واقع جغرافي لا يتغير وتجارب تاريخية مؤلمة ودموية، هي اتخاذ الأمور منعطفًا صداميًا انتهى باندلاع الحرب الأوكرانية التي أعادت روسيا والغرب إلى مربع من الصدام والاحتكاك يقترب من الصدام المفتوح.

روسيا إذن ليست إمبراطورية لأنها تريد التوسع، بل لأن تجربتها التاريخية أقنعتها بأن البقاء نفسه يحتاج مجالًا عازلًا. ولهذا تبدو سياساتها أحيانًا عدوانية ومستجدة في ظاهرها، لكنها في جوهرها استجابة حديثة لسؤال قديم: كيف تعيش دولة قارية واسعة بلا حواجز طبيعية داخل نظام دولي يقوم على الاقتراب الدائم منها؟

هناك، تحديدًا، يولد العقل الاستراتيجي الروسي… ويتكرر.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء