رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

«القاموس الشعبي 2».. كيف غزت لغة السجون الشارع؟

القاموس الشعبي2
القاموس الشعبي2

 في الثقافة المصرية، السجن ليس مجرد جدران عالية أو أسوار مغلقة، بل هو عالم كامل مواز يعيش داخل المجتمع؛ له قوانينه الخاصة، ونظامه الاجتماعي، ولغته التي لا يفهمها إلا من عاش تفاصيلها.

خلف القضبان يتكون «مجتمع مواز» أفراده مضطرون لحماية أنفسهم، وإخفاء أسرارهم، والتعامل مع سلطة تراقب كل حركة، خاصة بعد إضافة أنظمة المراقبة بالكاميرات حديثا. ومن هنا ولدت لغة مشفرة تسمى «السيم»، وهي اللغة الخاصة التي فرضت نفسها كنظام للحماية من سلطة السجن، وتستخدم لأغراض عديدة، منها التجارة داخل السجن أو تبادل المعلومات بعيدا عن أذن السجان، وكأنها جدار خفي يبنى بالكلمات.

في هذا الجزء من تحقيق «القاموس الشعبي المصري» نفكك معجم ما خلف القضبان، نقرأ كلماته، ونفك شفراته، ونفهم كيف تحولت هذه اللغة إلى جزء من القاموس الشعبي المصري.

السجناء وتصنيفهم.. هرم السلطة الداخلي

السجون ليست عالما من الفوضى، بل يحكمها نظام شبه اجتماعي، تعكس طبقاته ما نعيشه في العالم الخارجي.

المسجل أو الشقي: هو صاحب السوابق، وصاحب الخبرة والأقدمية، ذلك الذي يفرض حضوره بقوة شخصيته، وقد يحكم العنبر أحيانا أكثر من الإدارة نفسها.

الفرفور أو الني: هو السجين الجديد، ضعيف الخبرة، الذي لا يعرف القواعد غير المكتوبة التي تسير عليها الحياة اليومية داخل السجن، وغالبا ما يكون من «الأفندية» الذين دخلوا السجن بسبب تعثر مالي أو مشاجرة عابرة.

الناضورجي: هو عين العنبر، يقف قرب باب الزنزانة ليراقب حركة الحراس، ويعطي إشارة سريعة إذا بدأت التفتيشة.

العصفورة أو المرشد: هو السجين الذي ينقل الأخبار إلى الإدارة، ووجوده دائما مثار شك، واسمه وحده كفيل بإثارة الكراهية داخل الزنزانة.

لغة السيم والأدوات

السجن يخلق أدواته بيديه، ويخلق معها أسماءه الخاصة.

السنكة أو المكنة: سلاح بدائي يصنع من معدن مهمل أو من يد ملعقة مسنونة، وجوده يمنح صاحبه شعورا بالقوة، واستخدامه قد يغير موازين السيطرة داخل العنبر.

الغرزة: مخبأ سري داخل الزنزانة، قد يكون تحت بلاطة أو خلف نتوء في الحائط، تخفى فيه الممنوعات.

العملة الحقيقية: ليست النقود المتداولة، بل «السجائر»؛ بها تشترى الخدمات، وبها تدفع الأتاوات، ومن لا يملك «نفس» يعيش على الهامش.

التعيين: هو طعام السجن الرسمي، وغالبا ما يذكر بسخرية، إذ يقال عن الطعام «التعيين» للدلالة على رداءة الطعم وقسوة تناوله اضطرارا.

مصطلحات الحركة والحياة اليومية

الحياة خلف القضبان لها إيقاع خاص، وهي حياة روتينية تتكرر أحداثها، لكن السجناء يبدعون في إطلاق تسميات تعكس خفة ظل فرضتها الظروف.

التكريب أو الكرب: يطلق المصطلح عندما تغلق الأبواب أكثر من المعتاد، وتمنع الزيارات، ويحرم السجناء من التريض، فيقال: «السجن متكرب».

التشريفة: في الحياة العامة تعني الاستقبال الرسمي، أما داخل السجن فهي طابور ضرب، يقف فيه السجانون على الجانبين، ويمر السجين الجديد بينهما؛ لحظة لكسر النفس، خاصة مع المسجلين والأشقياء المعروفين.

الترحيلة: تطلق على وسيلة نقل السجناء من مكان إلى آخر، ويعدها السجناء رحلة شاقة في سيارة الترحيلات، لما يتخللها من قيود وتكدس وزحام وانتظار طويل.

التغريبة: تستخدم عندما تقرر إدارة السجون نقل السجين إلى مكان بعيد عن أهله، قد يكون إلى سجن في أقصى الصحراء؛ وهي عقوبة نفسية في ذاتها قبل أن تكون قرارا إداريا.

«سيم» الكلام.. الشفرة اليومية

الكلمة «بالسيم» قد تكون سببا في إنقاذ صاحبها، وقد تكون سببا في فضحه.

الشاويش يسمى أحيانا «الخال» للتمويه.

يرمي بياضه: أي يعترف بالحقيقة أو يكشف سرا.

يشتري دماغه: أي يدفع مقابل أن يترك في حاله.

على الأسفلت: تعني خارج السجن، فحين يقال «عقبال ما نشوفك على الأسفلت» فليست عبارة عابرة، بل أمنية بالحرية.

شخصيات السلطة داخل «المملكة»

المأمور: هو صاحب القرار الأعلى داخل السجن، بيده المنح والمنع، وكلمته قانون.

الضابط النبطشي: حاكم الليل، يمر فجأة، ويأمر بالتفتيش في أي لحظة.

أما في سجن النساء، فهناك لغة خاصة تقسم وفقا للعنابر التي توزع عليها السجينات حسب نوع الجرائم التي أدخلتهن السجن؛ فعنابر الآداب تختلف عن عنابر تجار المخدرات، وتختلف عن جرائم القتل أو السرقة. ومن أبرز ما يميز سجن النساء اللغة المستخدمة مع أبناء السجينات في سن الحضانة، ومدتها عامان، وهي مدة تحترمها إدارة السجون وتقدرها. وينسب الطفل إلى أمه فيقال: «خالد ابن فتحية» أو «محسن ابن نادية» وهكذا.

والملاحظ مؤخرا أن لغة السجون لم تبق داخل الأسوار، بل خرجت إلى الشارع، ويرجع انتقالها إلى السينما والأعمال الدرامية، كما ظهرت بقوة في أغاني المهرجانات. وللأسف، أصبحت بعض هذه الكلمات لغة دارجة بين الشباب والأطفال، إلى جانب الكثير مما سنكشف عنه في الأجزاء التالية من «القاموس الشعبي» للغة البيوت والقاموس الشعبي الرياضي.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء