لم يكن فشل جولة مفاوضات جنيف بين روسيا وأوكرانيا مفاجئًا لمن تابع مسار الأزمة منذ بدايتها، بل كان متوقعًا بدرجة كبيرة، وهو ما سبق وكتبنا عنه عبر منصة إيجبتك حين أشرنا بوضوح إلى أن شروط اللحظة السياسية والعسكرية لا تعكس وجود إرادة حقيقية لدى أي من الطرفين لإنهاء الحرب بصورة نهائية، فالمفاوضات التي انعقدت يومي 17 و18 فبراير 2026 جاءت في سياق ضغوط دولية ومحاولات لاحتواء التصعيد، لكنها لم تكن تعبيرًا عن تحول استراتيجي عميق لدى موسكو أو كييف.
النتائج المعلنة أكدت ما ذهبنا إليه سابقًا، لم يتم التوصل إلى اتفاق حاسم، ولم يصدر إعلان عن وقف شامل لإطلاق النار، ولم يتم حسم الملفات الجوهرية المتعلقة بالأراضي أو الضمانات الأمنية، هذه النقاط تحديدًا تمثل جوهر الصراع، ومن غير المنطقي تصور إمكانية تجاوزها في ظل تمسك كل طرف بسقفه السياسي والعسكري، روسيا ما زالت تتعامل مع الأراضي التي سيطرت عليها باعتبارها ورقة تفاوضية أساسية بل وأمرًا واقعًا، بينما ترفض أوكرانيا أي تنازل يمكن أن يُفسر داخليًا باعتباره إقرارًا بالأمر الواقع أو تفريطًا في السيادة.
انعقاد المفاوضات بصيغة ثلاثية برعاية أميركية لم يغير من المعادلة كثيرًا، فواشنطن تسعى لإدارة الأزمة بما يمنع انفلاتها، لكنها في الوقت ذاته لا تضغط بالقدر الكافي لفرض تسوية مؤلمة على حليفها الأوكراني، كما أن موسكو تدرك أن استمرار القتال يمنحها فرصة لإعادة رسم خطوط التماس على الأرض، وهو ما يجعلها غير متعجلة للوصول إلى تسوية قد تجمد الوضع عند حدود لا تراها مناسبة لمصالحها الاستراتيجية، من هنا بدت جولة جنيف أقرب إلى اختبار نوايا منها إلى مفاوضات حسم.
التصريحات التي صدرت عقب الاجتماعات عكست هذا التباين، الانتقادات الأوكرانية للنتائج، والحديث الأميركي عن تقدم ذي معنى دون تفاصيل، والوصف الروسي للمحادثات بأنها صارمة لكنها مهنية، كلها عبارات دبلوماسية تخفي وراءها حقيقة واحدة، وهي أن الفجوة السياسية ما زالت واسعة، التركيز على القضايا الإنسانية مثل تبادل الأسرى يعكس رغبة في تحقيق إنجازات جزئية قابلة للتسويق إعلاميًا، لكنه لا يقترب من لب الأزمة المتعلق بالحدود والسيادة والضمانات الأمنية.
الأمر الأكثر دلالة هو أن الوضع العسكري لم يتغير بالتوازي مع انعقاد المفاوضات، استمرار القتال والهجمات المتبادلة يؤكد أن المسار الدبلوماسي لم يتحول بعد إلى مسار ملزم للطرفين. في العادة، عندما تتوافر إرادة سياسية حقيقية للسلام، ينعكس ذلك فورًا في خفض التصعيد الميداني أو تجميد العمليات الكبرى، أما في الحالة الراهنة فقد بقيت الجبهات مشتعلة، ما يعني أن كل طرف ما زال يراهن على تحسين موقعه التفاوضي عبر الميدان.
من خلال قراءة المشهد كاملًا يتضح أن جنيف لم تكن محطة إنهاء حرب، بل محطة إدارة صراع، كلا الطرفين يدرك كلفة الاستمرار، لكنه في الوقت ذاته يرى أن كلفة التنازل السياسي في هذه المرحلة قد تكون أعلى، روسيا تريد اعترافًا ضمنيًا أو صريحًا بمكاسبها، وأوكرانيا تريد ضمانات صلبة لأمنها ووحدة أراضيها، والولايات المتحدة تدير التوازن بين دعم كييف ومنع مواجهة أوسع مع موسكو. في ظل هذه الحسابات المتشابكة يصبح السلام الشامل هدفًا مؤجلًا لا أكثر.
لذلك لم يكن غياب الاتفاق مفاجئًا، بل كان نتيجة منطقية لمسار طويل من التصعيد والتصلب. وكما أشرنا سابقًا عبر إيجبتك، فإن أي تسوية حقيقية لن ترى النور إلا عندما يصل الطرفان إلى قناعة بأن لا مكاسب إضافية يمكن تحقيقها عسكريًا، وعندما تتغير المعادلات الدولية بما يفرض حلًا وسطًا مقبولًا ولو على مضض. وحتى يتحقق ذلك ستبقى جولات التفاوض تتكرر، وسيبقى السلام شعارًا مؤجلًا بانتظار لحظة سياسية لم تنضج بعد.
وفي هذا السياق تنظر شعوب العالم إلى الحرب بين روسيا وأوكرانيا بمزيج معقد من القلق والانقسام والإرهاق، فهناك قطاعات واسعة في أوروبا ترى في الصراع تهديدًا مباشرًا للأمن والاستقرار وتتعاطف بقوة مع أوكرانيا باعتبارها طرفًا يدافع عن سيادته، بينما في مناطق أخرى من العالم ينظر كثيرون إلى الحرب من زاوية الصراع بين قوى كبرى وتصفية حسابات جيوسياسية لا علاقة مباشرة لهم بها، مع شعور متزايد بأن كلفة الحرب الاقتصادية من تضخم وارتفاع أسعار الطاقة والغذاء يدفع ثمنها المواطن العادي في كل مكان.
كما برز تيار عالمي يدعو إلى وقف فوري لإطلاق النار بغض النظر عن التفاصيل السياسية، تعبيرًا عن حالة تعب عامة من استمرار النزاعات الطويلة، مقابل أصوات أخرى تعتقد أن حسم الصراع شرط ضروري لعدم تكريس سابقة دولية خطيرة، وبين هذا وذاك تبدو الصورة الشعبية عالميًا أقرب إلى الرغبة في نهاية سريعة للحرب، حتى لو اختلفت الأسباب والدوافع من مجتمع إلى آخر.