من عظيم سنن الله الجارية في كونه أن فاوت بين خلقه تفضيلًا واختيارًا، فرفع بعض الأزمنة وشرّف بعض الأمكنة، وجعل لها من الخصائص ما يميزها عن سواها. ومن أعظم تلك الأزمنة المفضلة شهر رمضان المبارك، سيد الشهور، شهر النور والسرور، موسم الخيرات والبركات، الذي اختصه الله بمناقب جليلة وفضائل وافرة عظيمة.
ففيه تنزّلت أولى آيات الذكر الحكيم على قلب خاتم النبيين محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم، وهو متعبّد في غار حراء، إيذانًا ببدء عهد جديد للبشرية كلها، عهد أشرق فيه نور الوحي وهداية السماء، ليُخرج الأرض وأهلها من ظلمات الجاهلية إلى نور الإسلام وبركة القرآن.
لم يكن شهر رمضان المبارك ظرفًا لنزول القرآن فحسب، بل شهد كذلك نزول صحف إبراهيم عليه السلام، وأنزلت فيه التوراة لستٍّ مضين من الشهر، والإنجيل لثلاث عشرة ليلة خلت منه، ليغدو رمضان شهر الرسالات، وموسم تجديد الصلة بين الأرض والسماء، ومحرابًا تتجلى فيه أعظم معاني الهداية والاصطفاء.
ومن أعظم فضائل هذا الشهر الكريم أن الله جعله موسمًا لمغفرة الذنوب، وميدانًا فسيحًا للتوبة والإنابة، وفرصةً ثمينةً لكل من أثقلته الخطايا وأرهقته المعاصي وأبكاه الندم، ليخرج من هذا الشهر بقلبٍ طاهرٍ ونفسٍ نقية، كأنما وُلد من جديد. وقد بشّر النبي صلى الله عليه وسلم الصائمين من أمته بقوله: "من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غُفر له ما تقدم من ذنبه"، وفي حديث آخر: "من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غُفر له ما تقدم من ذنبه"، في وعدٍ مبشّر يفتح أبواب الرجاء والأمل، ويغرس في القلوب يقين الرحمة وسعة العفو.
ومن فضائله كذلك أن الله جعله شهر الدعاء المستجاب، تتنزل فيه الرحمات، وتُرفع فيه الأكف الخاشعة ضارعةً صادقة، فيستجيب الله لعباده الصائمين الذين أدّوا فريضتهم بإخلاص واحتساب، ففي الحديث الشريف: "ثلاثة لا تُرد دعوتهم: الصائم حتى يفطر…" في إشارة إلى منزلة الصائم عند ربه، وإلى عظم ما يُرجى له من قبولٍ وتوفيق.
كما أن من خصائص هذا الشهر الكريم أن الله أحاطه بحصانة إيمانية فريدة؛ فتُفتح فيه أبواب الجنة ترغيبًا، وتُغلق أبواب النار، وتُصفّد الشياطين تهيئةً للنفوس كي تُقبل على الطاعة في أجواءٍ من الصفاء والسكينة. قال صلى الله عليه وسلم: "إذا جاء رمضان فُتحت أبواب الجنة، وغُلّقت أبواب النار، وصُفّدت الشياطين".
ومن أعظم ما اختُصَّ به شهر رمضان المبارك أن اختصه الله بأعظم ليلةٍ في العام، وأشرفها قدرًا ومكانةً، وهي ليلة القدر؛ الليلة التي يفيض فيها الفضل الإلهي، ويتضاعف فيها الأجر حتى يغدو العمل الصالح فيها خيرًا من عمل ألف شهر، أي ما يزيد على ثلاثين ألف ليلة من العبادة المتواصلة. فهي ليلةٌ عظيمة تفتح للناس أبوابًا كثيرة من الخير قد لا تُتاح في سنين طويلة.
وقد حثّ النبي صلى الله عليه وسلم على اغتنام هذه الليلة، وبيّن عظيم شأنها بقوله: "إن هذا الشهر قد حضركم، وفيه ليلةٌ خيرٌ من ألف شهر، من حُرِمها فقد حُرِم الخير كله، ولا يُحرَم خيرَها إلا محروم". إنها ليلة العتق والقبول، وليلة تتنزّل فيها الرحمات، وتُكتب فيها الأقدار، فطوبى لمن أحياها إيمانًا واحتسابًا، وأدرك نفحاتها، فنال من بركاتها ما يرفعه درجاتٍ ويغمر قلبه نورًا وسكينة.
وهكذا يغدو شهر رمضان المبارك مدرسةً إيمانيةً متكاملة، تتجلّى فيها معاني التربية والتهذيب، فتسمو فيها الأرواح، وتتهذّب النفوس، وتزكو القلوب، ويقوى الإيمان في الصدور. إنه موسم مراجعة الذات، وتجديد العهد مع الله، واستعادة التوازن الروحي في رحاب الطاعة والإنابة، وفيه تتجدد العزائم، وتُبعث في القلوب طاقات الخير والعمل الصالح.
نسأل الله العظيم أن يبارك لنا في شهر رمضان، وأن يوفقنا لصيامه وقيامه إيمانًا واحتسابًا، وأن يبلغنا ليلة القدر، ويجعلنا فيها من المقبولين الفائزين، وأن يعيده علينا وعلى الأمة العربية والإسلامية أعوامًا عديدة وأزمنة مديدة بالخير واليمن والبركات. وكل عام وأنتم بخير.