رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

بعد دور منة شلبي في «صحاب الأرض».. طبيبات غزة أيقونات الصمود

منة شلبي وصحاب الأرض
منة شلبي وصحاب الأرض الحقيقيين

ظهرت الفنانة منة شلبي في مسلسل صحاب الأرض كطبيبة عاملة في قطاع غزة أثناء الحرب ، مما يسلط الضوء  على طبيبات غزة الجنديات المجهولات في ظل ظروف كارثية وقيود شديدة، حيث واجهن مخاطر حقيقية على حياتهن مع الاستهداف المباشر بما في ذلك فقدان عائلاتهن، كحالة الدكتورة آلاء النجار التي استشهد تسعة من أطفالها، بجاب مواجهتهن نقصاً حاداً في المستلزمات الطبية والأدوية وسط تدهور صحي شامل، . 

طبيبات شهيدات أثناء تأديه الواجب

وفقاً لتقديرات صحية، سقط مئات المسعفين والأطباء والممرضين أثناء أداء واجبهم، مع توثيق أكثر من 340 عامل صحي قُتلوا في الأشهر الأولى فقط، تم استهداف سيارات الإسعاف والمستشفيات، مثل مجمع الشفاء الطبي ومستشفى كمال عدوان، مما أدى إلى استشهاد طواقم داخل مقار عملهم، 13 طبيبا استشهدوا أثناء دراستهم في القطاع، وصل عدد الشهداء بحسب 

وحول الطبيبات الأجانب التي تمثلهن القفنانة “منة شلبي” استشهد عدد منهن أثناء الحرب، حيث تداول رواد مواقع التواصل الإجتماعي ،  إستشهاد  دكتورة جزائرية، في قصف  إسرائيلي على قطاع غزة، وهي الدكتورة وهيبة آيت مزغات، المنحدرة من ولاية البليدة ، تعمل أستاذة جامعية وهي زوجة الأستاذ الفلسطيني ماهر أبو مطلڨ، والتي  إستشهدت جراء قصف إسرائيلي لمنزلها .

آلاء النجار.. أيقونة تضحية ذوات الرداء الأبيض

في مشهد يختصر قسوة المأساة التي يعيشها قطاع غزة، برزت حكاية “آلاء النجار” وهي أمٍ وطبيبة وجدت نفسها فجأة في قلب كارثة تفوق الاحتمال؛ كارثة لم تطرق باب بيتها فحسب، بل اقتحمت روحها واقتلعت منها 9 من أبناءها دفعة واحدة.

الدكتورة آلاء النجار، اختصاصية طب الأطفال في مجمع ناصر الطبي، خرجت صباح ذلك اليوم إلى عملها كما اعتادت، تحمل هموم مرضاها الصغار وأمل شفائهم. لم تكن تدري أن الساعات المقبلة ستحمل لها امتحانًا يفوق قدرة البشر على الصبر. بعد دقائق من عودة زوجها الطبيب حمدي النجار إلى المنزل، دوّت الغارة، وسقطت القذائف على البيت في منطقة قيزان النجار جنوب خان يونس، فحوّلته إلى أنقاض ودخان.

في لحظات، صار المنزل الذي كان يعجّ بأصوات الطفولة ركامًا صامتًا. هرعت طواقم الدفاع المدني تبحث بين الحجارة المتناثرة عن حياةٍ عالقة، فانتشلت تسعة أطفال، ثمانية منهم التهمت النيران ملامحهم حتى غاب التعرف عليهم، فيما نُقل الأب مصابًا بجراح بالغة إلى العناية المركزة.

أما في المستشفى، فكانت الأم تنتظر دون أن تدري أن سيارات الإسعاف تحمل إليها أبناءها، لا مرضى يحتاجون علاجها، بل شهداء يحتاجون وداعها. دخلوا الواحد تلو الآخر، ملفوفين بأكفان صغيرة، فتداعى قلبها أمام المشهد. عجزت عن استيعاب الصورة، وعن التعرّف إلى الوجوه التي كانت تملأ بيتها ضحكًا قبل ساعات قليلة.

يحيى، وركان، ورسلان، وجبران، وإيف، وريفان، وسيدين، ولقمان، وسيدرا… أسماء كانت تزيّن جدران البيت بالحياة، صارت فجأة نقشًا على ذاكرة أم مفجوعة. أما آدم، الطفل العاشر، فما يزال يتلقى العلاج، يتشبث بالحياة وسط ركام الفقد.

ليست الحكاية حدثًا عابرًا في سجل الأخبار، بل مرآة لوجعٍ جماعي يتكرر كل يوم. هنا، تختلط الأدوار: الطبيبة التي اعتادت إنقاذ الصغار وجدت نفسها تودّع أطفالها. بين رائحة الدواء ورائحة الدخان، انكسرت المسافة بين العمل والمنزل، وبين الأمل والفقد. إنها مأساة أم، وصورة مكثفة لجرحٍ مفتوح لا يكف عن النزف.

داخل سجون الاحتلال

واعتقل جيش الاحتلال أكثر من 361 من الطواقم الطبية، ولا يزال 150 منهم رهن الاعتقال (حتى أغسطس 2025)، بينهم أطباء بارزون، ولا تزال توجد طبيبات داخل معتقلات الاحتلال الإسرائيلي منذ الحرب.

 

 وصفت ممرضات وطبيبات (محليات وأجنبيات) الوضع بـ "المتجاوز لحدود الكارثة"، حيث لا تعمل معظم المستشفيات في شمال غزة أو رفح، وتعمل أخرى بشكل جزئي جداً.

يواجه القطاع الصحي انهياراً كاملاً بسبب الحصار ونقص الوقود والمستلزمات، مما أدى لاستشهاد مرضى وجرحى نتيجة توقف الأجهزة، وعانت الطبيبات من النقص الحاد في المعدات والأدوية الأساسية لإنقاذ حياة المرضى والمصابين، مما يضاعف من صعوبة تقديم الرعاية الصحية. 

قصص من بطولات طبيبات غزة

الطبيبة مروة
الطبيبة مروة

مروة، أمٌّ لثلاثة أطفال، وجدت نفسها منذ الأيام الأولى للحرب أسيرة واجبها المهني داخل المستشفى، بعيدة عن صغارها عشرين يومًا متصلة. لم تتمكن خلال تلك الفترة إلا من اتصال هاتفي عابر، بسبب انقطاع الاتصالات في شمال غزة. كانت تعمل ليل نهار في إسعاف الجرحى ومداواة المصابين، فيما قلبها معلق ببيتها. ثم جاءت اللحظة التي لم تخطر ببالها: سيارة إسعاف تتوقف أمام قسم الطوارئ، لتكشف عن وصول أطفالها وزوجها ووالديها مصابين، بعد قصف البناية التي كانوا يقيمون فيها.

تروي مروة بأنفاس متثاقلة أن القلق كان ينهشها مع كل صوت قذيفة، وكانت تسأل نفسها في صمت: هل ما زالوا بخير؟ وفي أحد الأيام، وبعد أسابيع من العمل المتواصل بين الممرات المزدحمة، فوجئت بأن عائلتها ضمن المصابين الذين استقبلتهم بيديها. خلال دقائق ثقيلة، فقدت زوجها ووالديها، بينما كان أطفالها في حالة حرجة. تقول إنها لم تقوَ على الوقوف؛ خارت قواها وسقطت مغشيًا عليها، غارقة في صدمة لم تستطع استيعابها.

وعندما استعادت وعيها، كانت أول كلماتها صرخة بحث: أين أطفالي؟ لم تصدق أنهم ما زالوا أحياء إلا حين رأتهم واحتضنتهم بنفسها. ومع تعافيهم لاحقًا واطمئنانها عليهم لدى أقاربها، عادت إلى عملها بين زملائها، مؤكدة أن رسالتها لم تنتهِ بعد. تقول بثبات: سنبقى في الميدان ما دام هناك من يحتاج إلى يدٍ تُسعف، وقلبٍ يساند، وأملٍ يُبقي الحياة ممكنة رغم كل شيء.

أماني درويش
أماني درويش

أماني درويش.. طبيبة غزة الحامل وسط الحرب

حاملٌ، ومع ذلك تمضي في إنقاذ الجرحى دون توقف… هكذا تبدو أماني درويش، الطبيبة في مجمع ناصر الطبي، صورة أخرى من صور الصمود التي تولد من رحم المعاناة، وهي أم لطفل في الرابعة من عمره، وتنتظر مولودها الثاني في شهرها الرابع، لكن الحمل لم يكن سببًا للتراجع خطوة واحدة عن واجبها الإنساني داخل أروقة المستشفى.

تروي أماني أنها من سكان شرق رفح، وقد اضطرتها ظروف القصف إلى النزوح نحو خان يونس، حيث تقيم اليوم مع والديها في منزل بلا سقف، بعدما تضرر في قصف سابق.

 لم يكن أمامهم خيار آخر،  زوجها ما يزال في رفح، والمسافات بينهما أكبر من مجرد كيلومترات؛ إنها مسافات قلق وانتظار، ومنذ اندلاع الحرب تعمل لساعات طويلة بلا انقطاع، وسط تدفق متواصل للإصابات، ونقص حاد في الكوادر والمستلزمات الطبية، ما يجعل كل يوم تحديًا مفتوحًا على الاحتمالات الصعبة.

وتصف حالتها النفسية بكلمات تختلط فيها القوة بالألم: فابتعادها عن طفلها يمزق قلبها، والخوف عليه لا يفارقها مع كل دويّ انفجار. أما مشاهد الأطفال الجرحى والنساء الحوامل والشيوخ المصابين، فتبقى عالقة في ذاكرتها حتى في نومها. 

ينهك الإرهاق جسدها، فتجلس لدقائق معدودة حين تشعر بالإعياء، ثم تعود مسرعة إلى عملها، مؤمنة بأن دقيقة واحدة قد تكون الفارق بين الحياة والموت لمصاب ينتظر يدًا تسعفه.

ورغم كل ذلك، يساورها خوف خاص من لحظة ولادتها القادمة؛ تخشى أن تضع طفلها في ظروف تفتقر إلى الحد الأدنى من الأمان والرعاية، في برد قاسٍ ومكان غير مهيأ لاستقبال حياة جديدة. تهمس بدعاء بسيط تختصر فيه أمنياتها: أن تنتهي الحرب قبل أن يحين موعد ولادتها، ليولد طفلها في زمن أقل قسوة.

الأزمات النفسية للطبيبات

ولا تقف المأساة عند حدود الجراح الجسدية، بل تمتد إلى ما هو أعمق وأخطر. فالأحداث التي تعيشها الطبيبات والممرضات في غزة تترك، بحسب وصف رحاب برهومة، رئيسة جمعية المرأة والطفل في الضفة الغربية، آثارًا نفسية «مدمرة». فوجودهن الدائم في قلب المشهد، وتعاملُهن اليومي مع المصابين، وتكرار مشاهد الفقد أمام أعينهن، يراكم صدمات عصبية قاسية؛ من نوبات هلع مفاجئة إلى هلوسات سمعية وبصرية، ومن إنهاك نفسي مزمن إلى شعور دائم بالتهديد.

هذه الأعباء لا تبقى حبيسة جدران المستشفيات، بل تتسلل إلى البيوت، فحين تعود الطبيبة أو الممرضة إلى أطفالها وعائلتها، قد تجد نفسها عاجزة عن التفاعل بصورة طبيعية، مثقلة بذاكرة دامية لا تمنحها فرصة للهدوء أو الاستقرار.

وفي مشهد يلخص قسوة الواقع، تُجرى أحيانًا عمليات جراحية لأطفال مصابين على أرض المستشفى، في ظروف بالغة الصعوبة، كما حدث في مستشفى الشفاء، حيث يختلط صوت الأجهزة بأنين الجرحى، وتتحول الأرض إلى غرفة عمليات طارئة.

وفي مواجهة هذا الواقع الثقيل، سعت جمعية المرأة والطفل، منذ اندلاع الحرب، وبالتعاون مع مؤسسات أخرى، إلى تنظيم ورش عمل وجلسات تفريغ نفسي لمساندة النساء، ومن بينهن الطبيبات والممرضات. فُتحت أبواب المشاركة حضوريًا وعبر الإنترنت لمن تعذر عليهن الحضور، في مبادرات مجانية هدفها تقديم سند نفسي ومعنوي للمرأة الفلسطينية التي تتحمل في هذه الأيام عبئًا استثنائيًا يفوق طاقتها البشرية.

 

 

 

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء