«عم محمد صابر».. صوت الحارة الذي يقاوم النسيان في سحور رمضان
بينما تغرق شوارع أسيوط في صمت ما قبل السحور، ويستسلم الجميع لسكون الليل، يقطع هذا الصمت صوتٌ يألفه الصغار قبل الكبار، وضربات منتظمة على "طبلة"، إنه عم "محمد صابر"، المسحراتي الأشهر في أسيوط والذي لم يمنعه تقدم العمر ولا غزو التكنولوجيا من الحفاظ على مهنة يراها "أمانة" وليست مجرد وسيلة لطلب الرزق.
«عم محمد صابر» صوت الحارة الذي يقاوم النسيان فى سحور رمضان
لا يبدأ يوم عم محمد مع شروق الشمس، بل تبدأ حياته الحقيقية حين يرتدي جلبابه البسيط، ويحمل طبلته الصغيرة، ليبدأ جولته في تلك الدروب الضيقة التي حفظ تفاصيلها عن ظهر قلب، هو لا يقرأ من ورقة، بل يقرأ من ذاكرة محفورة بأسماء السكان؛ ينادي "الأستاذ فلان" ويخص "الطفل علان" بكلمات تشجيعية للصيام، مما يحول عملية "التسحير" من نداء عام إلى رسالة حب شخصية.
في عصر "المنبهات الذكية" وتطبيقات الهواتف، يبرز سؤال يطرحه الكثيرون: لماذا يستمر عم محمد؟
يقول أحد المواطنين "المسحراتي مش عشان نصحى، إحنا بنبقى صاحيين أصلاً، لكن هو اللي بيحسسنا إن رمضان جه.. صوته هو اللي بيعمل البركة في الشوارع".
بالنسبة لعم محمد، المسألة تتجاوز إيقاظ النائمين؛ إنها محاولة لإبقاء روح الحارة المصرية حية. هو يمثل حلقة الوصل بين زمن كانت فيه الجيرة هي العائلة، وبين زمن أصبحت فيه الشاشات هي الونيس الوحيد.
لا يعتمد محمد صابر على الصراخ، بل يعتمد على "المقامات" الفطرية في ندائه. تتراوح نبراته بين القوة في بداية الشارع، واللين والرجاء حين يردد: "يا غافل وحد الله".
إن قصة عم محمد صابر ليست مجرد قصة رجل يطرق الطبول، بل هي قصة صمود لهوية مصرية تقاوم الاندثار. سيبقى "صوت صابر" علامة مسجلة في وجدان كل من مر به، يذكرنا دائماً بأن أجمل ما في رمضان ليس في موائده، بل في تلك التفاصيل البسيطة التي تجعلنا نشعر بأننا لا نزال "جيراناً" في وطن واحد.