الإمام البوصيري.. قصة قصيدة خالدة تتردد منذ 800 عام|فيديو
خلال استضافتها في برنامج «4 شارع شريف» على قناة الحياة، أعادت الكاتبة سعاد سليمان، تسليط الضوء على سيرة الإمام البوصيري، الشاعر الصوفي الذي خلد اسمه في التاريخ بقصيدته الشهيرة «البردة»، والتي لا تزال تتردد في المساجد والاحتفالات الدينية منذ ما يقرب من ثمانية قرون.
الإمام محمد بن عبد الله البوصيري، واسمه الكامل محمد بن عبد الله بن سعيد الصنهاجي، وُلد عام 1213م وتوفي عام 1296م، ليترك وراءه إرثًا شعريًا وروحيًا لا يزال حيًا في وجدان المسلمين، وتُعد قصيدته الأشهر «البردة»، علامة فارقة في تاريخ المدائح النبوية، إذ تحولت إلى أيقونة فنية وروحية عبر العصور.
معنى البردة وقصة التسمية
كلمة «البردة» تعني في اللغة العباءة أو الرداء الذي يُرتدى فوق الثياب، وقد ارتبط الاسم بقصة شهيرة مفادها أن الإمام البوصيري، رأى في منامه النبي صلى الله عليه وسلم، وقد ألقى عليه بردته تكريمًا له بعد أن أنشد قصيدته في مدحه، ومن هنا اشتهرت القصيدة باسم «البردة».
أما اسمها الأصلي فهو «الكواكب الدرية في مدح خير البرية»، وهي قصيدة صوفية في مدح الرسول الكريم، تضم أبياتًا أصبحت جزءًا من الوجدان الجمعي، ومن أشهر مقاطعها التي لا تزال تتردد في الأناشيد والابتهالات: «اللهم صل وسلم وبارك على خير الخلق كلهم، حبيبك محمد سيد الأمم»، هذا المقطع تحديدًا يتغنى به المنشدون منذ مئات السنين، في ألحان متعددة وصيغ إنشادية متنوعة.
800 عام من الإنشاد والتأثير الروحي
اللافت أن قصيدة البردة لم تبقَ حبيسة الكتب، بل تحولت إلى عمل فني حيّ، يتجدد في كل عصر، فمنذ القرن الثالث عشر وحتى اليوم، أُنشِدت القصيدة بأصوات كبار المبتهلين والمنشدين، وبألحان شرقية وأندلسية ومصرية، ما منحها طابعًا عالميًا متجددًا.
ويرى كثير من المؤرخين أن الإمام البوصيري، كان من أوائل من رسّخوا فن المدائح النبوية بصيغته الفنية التي نعرفها اليوم، بل ويذهب بعضهم إلى اعتباره رائدًا لفن الابتهالات والإنشاد الديني، حيث استلهم المنشدون والموسيقيون طريقته في نظم القصائد الروحية، ونسجوا على منوالها أعمالًا عديدة.
المولد والنشأة بين مصر والإسكندرية
رغم وجود آراء تشير إلى أن البوصيري، وُلد في الجزائر، فإن الرأي الراجح تاريخيًا يؤكد أنه وُلد في مصر، في قرية «أبو صير» التابعة لمحافظة البحيرة، وقد ارتبط اسمه بمدينة الإسكندرية، حيث عاش فترة طويلة، وبها مسجده الشهير الذي يحمل اسمه.
وقد تتلمذ الإمام البوصيري، على يد الشيخ الصوفي الكبير أبو العباس المرسي، أحد أعلام التصوف في مصر، والذي عاصر بدوره العالم الجليل ابن عطاء الله السكندري، وتأثر البوصيري، بالمدرسة الصوفية السكندرية، التي جمعت بين العلم الشرعي والذوق الروحي.
من وظيفة الضرائب إلى شاعر في حب الرسول
عمل الإمام البوصيري في بداية حياته بوظيفة تتعلق بجمع الضرائب في مدينة بلبيس، إلا أنه لم يكن راضيًا عن الأوضاع الإدارية آنذاك، فكان ينتقد بعض الممارسات عبر قصائد هجاء لاذعة، ومع مرور الوقت، انصرف أكثر إلى الشعر الديني ومدح الرسول الكريم، الذي شغف بحبه وجعل سيرته محورًا أساسيًا في كتاباته.
كان البوصيري شاعرًا في المقام الأول، لكنه لم يكن شاعر مدح عادي، بل باحثًا في السيرة النبوية، حريصًا على جمع الروايات والأحداث، وصياغتها في قالب شعري مؤثر. ولذلك خرجت «البردة» نصًا متكاملًا يجمع بين البلاغة، والعاطفة، والروحانية.