في أول رمضان يمرّ عليك والبيتُ ناقصٌ واحداً، لن يكون "الكرسي الفارغ" مجرد مقعدٍ من خشب، بل سيتحول إلى جرحٍ مفتوح في قلب الصالة، ينظر إليك وتنظر إليه في صمتٍ يمزق الروح، ثمة ثقبٌ أسود يتسع فجأة حين يرتطم صوت مدفع الإفطار بجدران البيوت التي غادرها أصحابها، ثقبٌ لا تسده كل أطباق الوجبات ولا تمحوه أنوار الزينة المعلقة في الشوارع، في هذه اللحظات يتحول ذلك المكان الذي كان يشغله صوتٌ، أو ضحكة، أو حتى صمتٌ مألوف، إلى شاهدٍ صامت على غيابٍ لا يُرد، وبؤرة للوجع الذي لا يعرفه إلا من عاشه.
إنها تجربة "العزاء الجماعي" الصامت، حيث يفرض العالم حولك بهجةً معلبة، وأناشيد تدعو للفرح، بينما تتقوقع أنت حول حزنك، تشعر أنك غريبٌ في احتفالٍ كنت يوماً أحد أعمدته، وأن كل "مبارك عليك الشهر" تتردد في أذنك كأنها وخزة إبرة في جرحٍ لم يلتئم بعد، تكمن القسوة الحقيقية في ذلك الشرخ العميق بين ما تطلبه منك التقاليد بأن "تستبشر" وتفتح بيتك وتوزع الابتسامات، وبين الحقيقة المرة التي تسكن أعماقك؛ فالأمر يتجاوز مجرد الحزن، إنه طعمٌ مالح كدموعٍ سقطت في طبق حساء، في زمنٍ يقدس "السعادة القسرية" ويطالبك بتجاوز الفقد فوراً لأن التقويم أعلن بداية الشهر الكريم.
لكن الفقد لا يعترف بالتقويم، ولا يعرف أن اليوم غرة رمضان وأن غداً عيد، الحزن كائنٌ شرس يختار اللحظات الأكثر دفئاً ليفترسها، ليذكرك بلمسة يد كانت تناولك تمرة الإفطار، وبدعاءٍ كان يفيض من شفتين غيبهما التراب، وبـ "اللمة" التي انفرط عقدها ولم يعد بإمكان أحدٍ رتقه، ستكتشف حينها أن رمضان لم يكن يوماً في الفوانيس ولا في الموائد، بل كان في ذلك الشخص الذي يمنحنا الشعور بأن كل شيء سيكون بخير ما دمنا معاً، وبدونه، تنكسر الشظايا في أرواحنا، ولن تجبرها كل كلمات المواساة التي يلقيها العابرون.
أصعب ما في هذا الرحيل، هو أنك تشعر بأنك "يتيم الفرحة". كيف يبتسم من يسكن في صدره قبر؟ وكيف يشعر بالبهجة من يرى الأماكن خالية من أصحابها؟ إنك لا تبكي فقط لأنهم غادروا، بل تبكي لأن الحياة تستمر وكأن شيئاً لم يكن، تبكي لأنك مضطر لأن تجلس على ذات المائدة، وتأكل ذات الطعام، لكن بطعم الرماد في فمك، وبثقل الجبال فوق جفونك التي أتعبها السهر والتحديق في الفراغ. سيقولون لك "ادعُ لهم بالرحمة"، وهم لا يعلمون أنك تدعو لنفسك بالصبر قبل أن تدعو لهم، لأنك أنت من يعيش الجحيم اليومي للغياب، ولأن الصيام هذا العام لم يعد عن الطعام والشراب، بل صار صياماً قسرياً عن الضحك، وعن الشعور بالأمان، وعن طعم الحياة الذي سافر معهم تحت أطباق الثرى.
إن مواجهة هذا الضجيج وأنت تحمل في صدرك مقبرة تتطلب شجاعةً استثنائية لتقول "أنا لست بخير"، ليس من الضروري أن تكون المائدة مثالية، وليس من الجريمة أن تغيب الضحكة عن وجهك حين يغني الجميع لرمضان، الصيام الحقيقي في هذه الحالة هو الصبر على مرارة الفقد، والاعتراف بأن هذا الكرسي الفارغ هو انتزاعٌ لقطعة من الروح، إن الحزن في رمضان ليس نقصاً في الإيمان، بل هو قمة الوفاء الإنساني؛ هو إقرارٌ بأن من غابوا كانوا هم "رمضاننا" الحقيقي، وأن غيابهم جعل من الشهر مجرد أرقامٍ جامدة في مفكرة الزمن، كل طبق تضعه اليوم يذكرك بما كانوا يحبون، وكل اسم يسبقه وصف "المرحوم" في دعاء التراويح يترك ندبة لا يعتادها القلب مهما تكررت.
في نهاية المطاف، يبقى العزاء الوحيد لمن كُسر قلبهم بفقدٍ قريب، هو أن هذا الشهر الذي يجمع الأحياء على الموائد، يجمع الأرواح أيضاً في برازخ الدعاء. ذاك الكرسي الفارغ قد لا يمتلئ أبداً، لكنه قد يصبح محراباً للذكرى، حيث يتحول الألم إلى صدقة، والدمعة إلى صلة، والغياب القسري إلى حضورٍ روحي لا تقطعه المسافات، لا تضغطوا على جراحكم لتناسبوا بهجة الآخرين، ولا بأس أن تبكوا خلف الأبواب المغلقة، فالله لا يغضب من قلبٍ مكسور، والرمضان الذي يبدأ بدمعة الوفاء هو أطهر صيام يمكن أن يقدمه إنسان لروحٍ غادرت بجسدها وبقيت تسكن في أدق تفاصيل حياته.
رحم الله كل غائبٍ ترك خلفه غصة لا ترحل، وكرسياً لا يمتلئ، وبيتاً يفتقد أنفاسه مع كل أذان مغرب.