مفتي الديار المصرية: التشريع الإسلامي خريطة ربانية لتحقيق المصلحة
أكد الدكتور نظير عياد، مفتي الديار المصرية، أن الحكم الشرعي في الإسلام لا يختزل في كونه فكرة نظرية أو طرحًا تجريديًا بعيدًا عن واقع الناس، بل هو في جوهره كشفٌ عن عين المصلحة التي ارتضاها الخالق لعباده، ومنهج رباني يرسم للإنسان طريق الاستقامة والأمان.
وأوضح مفتي الديار المصرية، خلال حديثه في برنامج «حديث المفتي» المذاع على قناة قناة الناس، أن التشريع الإسلامي يمثل خريطة إلهية تهدف إلى قيادة البشرية نحو تحقيق الغايات العليا التي من أجلها خلق الإنسان، وفي مقدمتها فهم حقيقة العبودية لله تعالى واستحضار مقاصد الشرع في كل تفاصيل الحياة.
الشريعة منظومة متكاملة
وأشار نظير عياد، إلى أن الشريعة ليست أحكامًا متفرقة أو تكاليف منعزلة، بل منظومة متكاملة تجمع بين العبادات والمعاملات، حيث تتناغم مقاصد الطهارة مع مقاصد الاقتصاد، وتلتقي الروحيات مع التنظيم الاجتماعي في إطار واحد متوازن.
وأوضح أن كل تكليف شرعي هو لبنة أساسية في بناء علاقة الإنسان بنفسه وبغيره وبالكون من حوله، مستشهدًا بقوله تعالى: «وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون»، مؤكدًا أن الغاية الكبرى من الوجود الإنساني هي تحقيق العبودية الواعية التي تنعكس سلوكًا وأخلاقًا وعمرانًا.
أربعة أهداف جوهرية للتشريع
وكشف مفتي الديار المصرية، أن فلسفة الأحكام الشرعية تقوم على أربعة أهداف مركزية تشكل الإطار العام لمقاصد الشريعة، أول هذه الأهداف هو المعرفة والتوحيد، حيث يسعى التشريع إلى تعريف الإنسان بربه، وترسيخ إدراكه لعظمة الله وصفاته وكماله.
أما الهدف الثاني فيتمثل في إقامة الشعائر، كالصلاة والصوم والزكاة، باعتبارها وسائل عملية لشكر المنعم وتجديد الصلة بالخالق، في حين يركز الهدف الثالث على التزكية وبناء الأخلاق، إذ تحث الشريعة على التحلي بالفضائل، ونبذ الرذائل، وصيانة النفس من الانحراف.
الضبط الاجتماعي وحماية الحقوق
وأوضح نظير عياد، أن الهدف الرابع يتمثل في الضبط الاجتماعي، من خلال سن الحدود والأحكام التي تحفظ الحقوق، وتصون الكرامة الإنسانية، وتضمن استقرار المجتمع وانتظام شؤونه، بما يحقق العدالة ويمنع الفوضى.
فالتشريع – بحسب المفتي – ليس قيدًا على الإنسان، بل سياج يحميه من الانزلاق، ويؤسس لنظام عام يوازن بين حرية الفرد ومصلحة الجماعة، ويحقق الأمن المجتمعي في أوسع معانيه.
التحرر من سلطان الهوى
وتطرق الدكتور نظير عياد، إلى الحكمة العميقة من التشريع، مؤكدًا أن الشريعة جاءت لتحرير الإنسان من سجن الهوى، مستشهدًا بقول الإمام أبو إسحاق الشاطبي: «حكمة التشريع مقتضاها أن تخرج النفوس عن هواها».
وشدد على أن هذا التحرر يمثل قمة الحرية الحقيقية، لأن النفس إذا تحررت من سلطان الشهوات والأمزجة المتقلبة، استطاعت أن تتحرك وفق ميزان الحكمة الإلهية، لا وفق نزوات عابرة أو ضغوط آنية، فيصبح سلوك الإنسان أكثر اتزانًا ورشدًا.
مقاصد الشريعة وتحديات العصر
وأكد مفتي الديار المصرية، أهمية الفهم العميق لمقاصد الشريعة، وربطها بالتحديات المعاصرة التي تواجه المجتمعات، مشيرًا إلى أن الجمود على ظاهر النصوص دون استحضار روحها ومقاصدها قد يؤدي إلى خلل في التنزيل أو قصور في الفهم.
واختتم بالتأكيد على أن مرونة الإسلام وقدرته على التفاعل الإيجابي مع الواقع المتغير تمثل الضمانة الحقيقية لاستقرار المجتمعات ورقيها الحضاري، وأن فلسفة التشريع تظل الجسر المتين الذي يصل بين ثبات النص وروح العصر، ليبقى الشرع إطارًا جامعًا يحقق المصلحة ويدفع المفسدة في كل زمان ومكان.