رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

أويس القرني.. صاحب سر المكانة الخفية التي رفعتها السماء

أويس القرني
أويس القرني

في تاريخ الأمة الإسلامية نماذج نادرة تؤكد أن ميزان التفاضل عند الله لا يقاس بالمناصب ولا بالألقاب، بل بصدق القلوب وخفاء الأعمال. 

ومن أبلغ هذه النماذج سيرة أويس القرني، ذلك الرجل الذي لم ينل شرف رؤية النبي صلى الله عليه وسلم، ومع ذلك ذكره الرسول باسمه وأوصى به كبار الصحابة، في مشهد يكشف عظمة الإخلاص ورفعة البر.

 

 

إشادة نبوية استثنائية

 

بحسب ما أوضحه الدكتور الشحات العزازي، من علماء الأزهر الشريف، خلال برنامجه غلي قناة الناس، فإن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر الصحابة بقدوم رجل من أهل اليمن، من مراد ثم من قرن، يدعى أويس بن عامر، وأوصى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه قائلًا: «فإن استطعت أن يستغفر لك فافعل».

هذه الوصية النبوية تكشف عن منزلة رفيعة لرجل لم يكن من المشاهير، ولم يعرف عنه منصب أو سلطة، لكنها شهادة سماوية بمقامه عند الله، لتؤكد أن رفعة الإنسان قد تتحقق بعمل خفي لا يراه الناس.

 

بحث الخليفة عن رجل مجهول

 

المثير في القصة أن عمر بن الخطاب ظل سنوات طويلة، وفي كل موسم حج، يسأل الوفود القادمة من اليمن: أفيكم أويس بن عامر؟ مشهد يعكس تواضع القيادة في الإسلام، حين يبحث خليفة المسلمين عن راعٍ بسيط لا يعرفه أغلب الناس.

وفي أحد المواسم، وبينما كان في منى، علم بوجود رجل من أمداد أهل اليمن يرعى الإبل بعيدًا عن الأنظار، طلب إحضاره، فظهر رجل بسيط الهيئة، يرتدي الصوف، تبدو عليه علامات الزهد، قائمًا يصلي وإبله حوله، وكان برفقة عمر آنذاك علي بن أبي طالب رضي الله عنه.

 

سر تخلفه عن لقاء النبي

 

تأكد عمر من العلامات التي أخبر بها النبي، وسأل أويسًا عن أمه وبره بها، فأقر بأنه لازمها وخدمها، وكان ذلك سبب عدم هجرته إلى المدينة ولقائه بالرسول، لقد قدم رضا أمه على شرف الصحبة، فاختار البرّ طريقًا إلى الله.

وعندما طلب منه عمر أن يدعو له، بكى أويس تواضعًا وخشية، وقالت بعض الروايات إنه كان يدعو لعامة المسلمين، دون أن يخص أحدًا بدعائه. مشهد يجسد نقاء القلب وصفاء النية.

 

زهد حقيقي وهروب من الشهرة

 

أسلم أويس في حياة النبي صلى الله عليه وسلم، لكنه بقي إلى جوار أمه، فرفع الله ذكره وأثنى عليه رسوله، وكان من شدة زهده يفر من الشهرة، ويتصدق بما يزيد عن حاجته، ولا يقبل صدقة من أحد، فإذا شعر أن الناس عرفوه أو أكثروا من مدحه، غادر المكان طلبًا للخمول.

هذه الروح الزاهدة تكشف أن العظمة لا تحتاج إلى أضواء، وأن أصدق الأعمال ما كان خالصًا لله بعيدًا عن أعين الناس، وهو ما جعل سيرته باقية في كتب التابعين والعلماء.

 

دروس في الإخلاص وبر الوالدين

 

تحمل قصة أويس القرني رسائل عميقة في قيمة الإخلاص وبر الوالدين في الإسلام، فهي تؤكد أن العبد قد يبلغ منزلة عظيمة بطاعة خفية، وأن برّ الأم باب واسع من أبواب القرب من الله، بل قد يكون سببًا في رفعة الدرجات.

وهكذا بقي اسم أويس القرني شاهدًا على أن المنزلة الحقيقية تكتسب بالصدق والتجرد، لا بالمظاهر والألقاب، رجل خفي في الدنيا، عظيم في السماء، جسد بسيرته معنى الإيمان الصادق والعمل الذي لا يطلب إلا وجه الله.

 

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء