10 مسلمين في جرينلاند يصومون 21 ساعة يوميا في رمضان
في أقصى شمال الكرة الأرضية، حيث تذوب الحدود بين الليل والنهار وتعانق الجبال الجليدية أفق السماء، تنبت تفاصيل رمضانية مغايرة تماماً لما نعرف، في جزيرة جرينلاند، "الأرض الخضراء" التي يكسوها البياض وهي الجزيرة التي دار في رحاها خلال اليومين الماضيين معركة دبلوماسية بين الدنمارك والاتحاد الأوروبي من جهة، وأطماع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الذي يريد ضمها للولايات المتحدة، لم يعد الصيام مجرد شعيرة دينية، بل اختبارا لقوة الإرادة في مواجهة زمن يتمدد، وشمس تكاد لا تغيب.
صراع القوى الكبرى
شهدت الأيام الماضية تصعيداً غير مسبوق في منطقة القطب الشمالي، بعد أن أرسلت الدنمارك وسبع دول أوروبية وحدات عسكرية رمزية للمشاركة في مناورات فوق أراضي جزيرة جرينلاند، ويأتي هذا التحرك رداً على التهديدات العلنية التي أطلقها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي لم يعد يخفي رغبته الجامحة في ضم الجزيرة الغنية بالموارد الطبيعية إلى السيادة الأمريكية، ملوحاً باستخدام "الطريقة الصعبة" إذا لم يوافق الحلفاء "بالطريقة الحسنة".
21 ساعة صيام
تفرض الطبيعة الجغرافية في مناطق أقصى شمال الكرة الأرضية تحديات استثنائية على المسلمين المقيمين هناك، حيث تتمدد ساعات النهار بشكل لافت نتيجة الظواهر الفلكية المرتبطة بدول الشمال الأوروبي.
وبحسب التقديرات، يتجاوز الصيام في هذه البقاع حاجز الـ 21 ساعة يوميا، ما يجعله الاختبار الأطول زمنيا مقارنة ببقية دول العالم، ويضع الصائمين أمام واقع شمسي لا يغيب إلا لفترات وجيزة جداً.
وتعد جزيرة غرينلاند نموذجاً صارخاً لهذا التباين الزمني، إذ تشير البيانات إلى أن فترة الإمساك في بعض مناطقها قد تمتد لنحو 21 ساعة ودقيقتين تقريباً، هذا الفارق الشاسع في التوقيت، والذي يعتمد على الموقع الدقيق داخل الجزيرة القطبية، يدفع الجالية المسلمة المحدودة هناك إلى الاعتماد على اجتهادات فقهية مرنة أو الصمود في وجه نهار قطبي يكاد لا ينتهي.
مائدة فلسطينية في "نوك"

تبدأ الحكاية بصدفة غير متوقعة عند بوابة الجوازات، حيث يستقبلك شرطي هجرة من أصول فلسطينية، لتمتد الخيوط وتصل إلى الشاب راكان منصور (24 عاماً)، في منزله بالعاصمة "نوك"، تفوح رائحة خبز الطابون وشوربة العدس، لتمحو برودة القطب.
يقول راكان وهو يستذكر صيامه الذي يمتد لـ 16 ساعة: “في العام الماضي، لم تكن الشمس تغيب سوى لنصف ساعة فقط”، راكان، الذي وُلد في الدنمارك لأصول مقدسية، وجد في غرينلاند وطناً يشبه مأساة وطنه الأم؛ فالشعب الجرينلاندي، بحسب وصفه، يتفهم تماماً معنى "القمع" و"التحرر"، وهو ما جعل العلم الفلسطيني مرسوماً على جدران العاصمة، وجعل من راكان سفيراً غير رسمي للإسلام، يشرح لأصدقائه المحليين قيم التسامح في بيئة تعاني من أعلى نسب الانتحار عالمياً.
فارق التوقيت

وعلى مقربة من دفء عائلة راكان، يعيش عمر حبيشي، المصري الذي استقر في الجزيرة منذ 15 عاماً.
بالنسبة لعمر، الذي يعمل في شركة الطيران الوطنية، أصبح البرد وطناً، لدرجة أنه لم يعد يطيق حرارة الصيف في مصر.
يؤكد عمر أن الجالية المسلمة في الجزيرة "نخبة قليلة" لا تتجاوز 10 أفراد من جنسيات مغاربية وتركية، يتشاركون الصمود أمام ساعات صيام قد تصل في ذروة الصيف إلى 22 ساعة.
لكن ليس الجميع يصوم بتوقيت القطب؛ فالمغربي نور الدين الإبراهيمي، الذي انتقل للعيش مع زوجته الجرينلاندية، يكشف عن انقسام مرن في الاجتهاد: “أنا الوحيد الذي يصوم حتى غروب الشمس، بينما يختار بعض الأصدقاء الصيام على توقيت بلدانهم الأصلية” نور الدين، الذي يقضي يومه في معمل للأسماك، يفتقد "الحريرة" بمذاقها الأصلي بسبب ندرة البهارات العربية، لكنه يصر على إحياء الطقوس وحيداً في مواجهة صمت الجليد.

"المرابط الوحيد" في العاصمة
وفي زاوية أخرى من التاريخ القريب للجزيرة، يبرز اسم اللبناني وسام الزقير، الذي لُقب لسنوات بـ “المسلم الوحيد في جرينلاند”، حيث يدير وسام مطعماً في العاصمة، وبين إعداد الوجبات للزبائن وإعداد سحوره الخاص، لا يملك سوى ساعتين فقط كفترة سماح بين الإفطار والإمساك.
يقول وسام بفخر:"أريد دائماً أن يبقى في جرينلاند من يقوم بأداء الصلاة والصيام خلال الشهر المبارك".
هذا الإصرار هو ما يدفع هؤلاء القلة إلى البقاء، محولين "نوك" من مجرد عاصمة قطبية نائية إلى نقطة تلاقي فريدة، حيث تُرفع الآذان في توقيتات استثنائية، وتُطهى "المقلوبة" و"الطاجين" على أطراف العالم.