رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

في مشهد روحاني رائع يتكرر ليؤكد أن مصر ستبقى دائماً "أرض الإيمان"، تلتقي قلوب المصريين هذا العام في رحلة صيام مشتركة. فبينما بدأ أشقاؤنا الأقباط صومهم الأربعيني المقدس (الصوم الكبير) في 16 فبراير 2026، استقبل المسلمون نفحات شهر رمضان المبارك اليوم الخميس 19 فبراير 2026.

هذا "الموسم الروحي المزدوج" ليس مجرد مصادفة تقويمية، بل هو دعوة سماوية للتقارب، حيث تتحول الشوارع المصرية إلى خلية نحل من العبادة والزهد، وتختلط رائحة البخور في الكنائس بعبق التواشيح في المساجد، في سيمفونية وطنية لا تعرفها إلا أرض الكنانة.

يعتبر الصيام في الإسلام والمسيحية وسيلة لتهذيب النفس والتقرب إلى الخالق، لكنهما يختلفان في الكيفية والتفاصيل التشريعية:
فالصيام في الإسلام (رمضان) ركن من أركان الإسلام الخمسة، صيام كلي عن الطعام والشراب والشهوات من الفجر حتى غروب الشمس.
يتفق جميع المسلمون (سنة وشيعة) على جوهر الصيام وتوقيته (شهر رمضان)، مع اختلافات طفيفة جداً في توقيت الإفطار (السنة عند الغروب، والشيعة عند اختفاء الحمرة المشرقية).

والصيام في المسيحية (الصوم الكبير) صيام "انقطاعي" عن الطعام لعدد من الساعات، يليه تناول طعام "نباتي" (خالٍ من المشتقات الحيوانية).
فعند الأرثوذكس: يصومون 55 يوماً (أسبوع الاستعداد و40 يوم الصوم وأسبوع الآلام)، وهو الأكثر نسكاً. والكاثوليك والبروتستانت: يصومون 40 يوماً (تبدأ عندهم بـ "أربعاء الرماد")، وتختلف فترات الانقطاع ودرجة التشدد في الطعام بين طائفة وأخرى.

الصيام الآن هو "الموسم الروحي المشترك" بين الإسلام والمسيحية، لا ننظر إليه كصدفة زمنية فحسب، بل كظاهرة خاضعة لأدوات المنهج المقارن، الذي يسعى لاكتشاف "الجوهر المشترك" مع الحفاظ على "الخصوصية العقائدية" لكل دين، والتحرر من المادة.

فهو يمثل في الإسلام الصيام "تقوى"، وهدفه الوصول إلى مرتبة الإحسان، حيث يقول الله تعالى: {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}. وفي المسيحية: يمثل الصيام "إماتة للشهوات" وتقرباً من آلام المسيح، سعياً للقداسة والشركة الروحية.

تختلف المنهجية التشريعية بين "النصية" و"التقليد الكنسي": يعتمد في الإسلام على التحديد الزمني الصارم (رؤية الهلال) والامتناع الكلي عن الطعام.
أما المسيحية: فتعتمد على "التدبير الكنسي"، حيث يختلف الصيام بين الأرثوذكسية والكاثوليكية بناءً على قرارات المجامع والتقاليد الليتورجية، مما يعكس مرونة في التطبيق مع ثبات الجوهر.

جاء "تزامن الأصوام" في مصر ليخلق حالة من "الوحدة الشعائرية". هذا التزامن يقلل من المسافات النفسية بين المكونات الوطنية، حيث يتحول الامتناع عن الطعام إلى "لغة مشتركة" يفهمها الجميع، مما يعزز من تماسك النسيج الوطني في مواجهة التحديات.

إن اجتماع "رمضان" و"الصوم الكبير" في آن واحد هو رسالة لكل باحث في مقارنة الأديان، بأن القيم الروحية الكبرى تتلاقى دائماً عند نقطة "الإنسان"، وأن مصر، بمسجدها وكنيستها، تقدم للعالم نموذجاً فريداً في "العيش المشترك" الذي يتجاوز مجرد التسامح إلى مرحلة "الاندماج الروحي الكامل".

نرفع أكف الضراعة إلى الله في هذه الأيام المباركة، أن يحفظ مصرنا الغالية من كل سوء، وأن يديم علينا نعمة الأمن والأمان.

أ.د هبه إبراهيم النادي
أستاذ الأديان المقارنة

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء