يواجه المجتمع الإسرائيلي أزمة داخلية تتمثل في تظاهرات واسعة للمطالبة "بعدم تجنيد الحريديم"، وهي أزمة ممتدة تتجه نحو المزيد من التصعيد خلال عام 2026 بمستويات غير مسبوقة، باستمرار التظاهرات الاحتجاجية في عدد من المدن الرئيسية كالقدس المحتلة، ومواجهات واشتباكات بين عناصر الشرطة الإسرائيلية ويهود الحريديم الذين شاركوا في التظاهر بالآلاف، وإغلاق الشرطة عددًا من الطرق الرئيسية، وأسفرت عن مقتل حريدي إسرائيلي وإصابة آخرين، وتأثير ذلك على تماسك مكونات المجتمع الإسرائيلي، حيث أصبحت تمثل صراعًا بين الهوية الدينية المتشددة والدولة العلمانية، في ظل تعاظم قوة الأحزاب الحريدية المتواجدة ضمن الائتلاف الحكومي برئاسة "نتنياهو" بحزبي (شاس - يهوديت هتوراه)، واستخدامهم مطالب الإعفاء للحريديم كورقة ضغط ومساومة سياسية، تعرضه للخطر حالة الاستجابة لليمين المتشدد والضغط لتمرير مشروع قانون بالكنيست ينص على إمكانية منح طلاب المعاهد الدينية المتفرغين للدراسة والذين لا يمارسون أي مهنة أخرى تأجيلات سنوية من التجنيد، تقدم به رئيس لجنة الخارجية والأمن بالكنيست وعضو بحزب الليكود الذي يترأسه "نتنياهو" لمحاولة احتواء الوضع الداخلي وحالة الانقسام.
ولقد أصبحت أزمة إعفاء الشباب اليهود الأرثوذكس المتشددين المعروفين باسم "الحريديم" أو "خشاة الله" من الخدمة العسكرية، والتي تعمق من الانقسام الداخلي، حيث يعود إعفاء الحريديم إلى عام 1948 عندما فتح أول رئيس للحكومة الإسرائيلية "ديفيد بن جوريون" إعفاءات عسكرية لعدد (400 طالب) يدرسون في المدارس الدينية، لتصوره "أن دراسة التوراة ستحمي إسرائيل من أعدائها"، ومنذ عام 1977 أصبح جميع الشباب الحريديم الذين يدرسون في المدارس الدينية يستفيدون من الإعفاء، ولكن منذ أعوام وخصوصًا بعد تنفيذ إسرائيل عملية عسكرية (السيوف الحديدية) ضد قطاع غزة في السابع أكتوبر 2023، وحروبها على جبهات أخرى، وتزايد احتياج الجيش الإسرائيلي لتجنيد مزيد من القوى البشرية نتيجة الخسائر التي لحقت به، وحيث يشكل اليهود الحريديم نسبة ١٤٪ من اليهود في إسرائيل بتعداد "١.٣" مليون نسمة، وبينهم "٦٦" ألف نسمة في سن التجنيد من إجمالي عدد اليهود التي تقدر "٧.٧" مليون نسمة (طبقًا لمكتب الإحصاء الإسرائيلي).
ويعد السبب الأساسي لعدم التحاق الحريديم بالجيش هو (ديني - توراتي)، كما تتمثل الجوانب الرئيسية لأزمة تجنيد الحريديم كالآتي:-
١- اعتبار الحريديم أن الخدمة العسكرية تهدد نمط حياتهم.
٢- إصدار المحكمة العليا في إسرائيل يوم ٢٨/٦/٢٠٢٤ حكمًا يقضي بأنه لا يوجد أساس قانوني للإعفاء، وأمرت الجيش بالبدء في تجنيد اليهود المتشددين في صفوف الجيش.
٣- الإعفاء يؤدي إلى تصاعد حدة التوترات الاجتماعية داخل المجتمع العلماني والحريدي لترسيخ انعدام المساواة بينهم وعدم تقاسم الأعباء العامة مثل القتال والدفاع عن البلد، ولا يساهمون في بناء الدولة واقتصادها، وحصول الحريديم على مخصصات مالية من الضرائب التي يدفعها باقي السكان والتي تذهب إلى المدارس الدينية ولا تحقق إنتاجية لإسرائيل.
ولنتعرف على ماهية الحريديم وعلاقاتهم بالإسرائيليين الآخرين ولماذا لا يرغب اليهود الأرثوذكس في الخدمة بالجيش الإسرائيلي، فإن من يُطلق عليهم "الحريديم" يعيشون في مجتمعات مغلقة، مع القليل من الاتصال بالعالم الخارجي، ولا يملك الكثيرون منهم أجهزة تلفزيون أو اتصالًا بشبكة الإنترنت، وليس لهم حسابات على شبكات التواصل الاجتماعي، ويكرس معظم الرجال البالغين أنفسهم لدراسة النصوص الدينية بدوام كامل، ويرتدون بدلات سوداء وقبعات ذات حواف عريضة، ويتميزون بضفائرهم الطويلة بالقرب من الأذنين ولحاهم الطويلة. وترتدي نساؤهم تنانير طويلة وجوارب سميكة وحجابًا أو شعرًا مستعارًا على الرأس، وهن يقمن بإعالة الأسرة وتربية الأولاد الكثيرين، إذ هم يميلون إلى إنجاب الكثير من الأطفال، وعادة ما تكون أسرهم فقيرة وتعتمد على الإعانات الحكومية. وتدور حياتهم كلها حول التوراة والشريعة المكتوبة والشفوية، وتخضع جميع خياراتهم في الحياة، سواء كانت مهنية أو تعليمية أو متعلقة بمكان العيش أو الملابس، للتقاليد اليهودية، وهم يلتزمون التزامًا حازمًا بيوم السبت (يوم الراحة اليهودي)، ويضطلع حاخاماتهم بدور القادة الكبار للمجتمع، الذين يلجأ إليهم السكان عندما يتعين عليهم اتخاذ قرار مهم في حياتهم، مثل من يتزوجون أو ماذا يدرسون.
والجيش الإسرائيلي للتغلب على ظاهرة التهرب من التجنيد بدعوى الحريديم، لديه مساران متاحان لتجنيد الحريديم (الأول/ هو الالتحاق بكتيبة "نيتساح يهودا" وهي كتيبة متطرفة تعمل في الضفة الغربية وتجمع بداخلها المتدينين - الثاني/ هو الالتحاق بمسار تجنيدي غير قتالي أو عناصر إدارية بالجيش الإسرائيلي).
أخيرًا.. فإنه يجب المتابعة والانتباه إلى أن مجتمع الحريديم هو مجتمع يميني وذاهب نحو التطرف، سواء في موقفه من الفلسطينيين أو حدود أرض إسرائيل أو الاحتلال وغيرها من القضايا التي تعتبر أساسية في مستقبل الصراع الإسرائيلي/ الفلسطيني، ففي حال اتساع نطاق هذه الظاهرة والتحاق أعداد كبيرة من الحريديم بالجيش، فإن الأمر سيكون له تداعيات على أيديولوجية الجيش ومواقفه السياسية، والتي قد تشهد المزيد من التشدد والتطرف.