في الحقيقة يشكل اجتماع “مجلس السلام” في واشنطن محطة سياسية لافتة في توقيت إقليمي شديد السيولة، حيث تتقاطع نقاط التصعيد في غزة، والضفة الغربية، والمفاوضات الأميركية–الإيرانية، والتحولات في أولويات القوى الكبرى.
فالمجلس، بوصفه إطاراً سياسياً جديداً ترعاه إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، لا يمكن النظر إليه كمنصة نمطية، بل كآلية محتملة لإعادة ترتيب الأولويات أو اختبار إمكانات التهدئة في لحظة تتسم بقدر عالٍ من عدم اليقين.
ومن ثم فإن دلالات الاجتماع لم تتوقف عند جدول أعماله المعلن، بل تمتد إلى طبيعة الحضور، ومستوى التمثيل، والرسائل الضمنية التي يسعى كل طرف إلى تمريرها.
في هذا السياق، تبرز أهمية تمثيل مصر على مستوى رفيع من خلال رئيس مجلس الوزراء مصطفى مدبولي، وهو تمثيل يعكس إدراك القاهرة لخطورة المرحلة وحرصها على أن تكون جزءاً من أي معادلة سياسية جديدة تتشكل بشأن القضية الفلسطينية.
فمصر تاريخياً لم تتعامل مع الملف الفلسطيني باعتباره قضية تضامن سياسي، بل من منطلق كونه امتداداً مباشراً لأمنها القومي واستقرارها الإقليمي. ومنذ اندلاع الحرب الأخيرة في غزة، اضطلعت الدولة المصرية بكافة أجهزتها بدور الوسيط الأساسي في التوصل إلى اتفاقات وقف إطلاق النار، في توقيتات بالغة التعقيد، بعضها جاء في ظروف غير متوقعة وبالتوازي مع ضغوط إسرائيلية عسكرية وسياسية مكثفة، على سبيل المثال بالتزامن مع تعالي الأصوات الإسرائيلية حول عمليات عربات جدعون 2.
ولم يتوقف الدور المصري عند تثبيت التهدئة، بل استمر عبر حشد دولي متواصل ومفاوضات معلنة وغير معلنة، إدراكاً أن وقف إطلاق النار ليس نهاية الأزمة بل بدايتها السياسية.
وعلى هذا الأساس، فإن اجتماع مجلس السلام يأتي أيضاً في ظل تحولات مقلقة في الضفة الغربية، حيث اتخذت الحكومة الإسرائيلية برئاسة بنيامين نتنياهو خطوات إجرائية تتعلق بتسجيل الأراضي وتوسيع السيطرة القانونية في المنطقة (ج)، وهي خطوات يراها كثير من المراقبين أقرب إلى “ضم فعلي” متدرج، حتى وإن لم يُعلن رسمياً في تشريع واضح.
هذا المسار يهدد بتقويض الأساس القانوني لحل الدولتين، ويضع المجتمع الدولي أمام اختبار حقيقي: هل يكتفي ببيانات الإدانة أم ينتقل إلى إجراءات أكثر فاعلية؟ ومن هنا تتضاعف أهمية أي إطار دولي يُطرح تحت مسمى “السلام”، إذ إن التحدي لا يكمن في وقف التصعيد العسكري فقط، بل في منع إعادة تشكيل الجغرافيا السياسية على نحو دائم.
في المقابل، لا يمكن فصل الاجتماع عن سياق المفاوضات الأميركية–الإيرانية، التي تسعى واشنطن من خلالها إلى ضبط البرنامج النووي الإيراني ومنع انزلاق المنطقة إلى مواجهة أوسع. إسرائيل تنظر بقلق إلى أي اتفاق نووي محتمل لا يتناول برنامج الصواريخ وشبكة الحلفاء الإقليميين لطهران، ما يفسر الحراك السياسي المكثف من جانب نتنياهو باتجاه الإدارة الأميركية.
وهنا يصبح مجلس السلام جزءاً من مشهد أوسع، تتداخل فيه حسابات الأمن الإقليمي مع مستقبل القضية الفلسطينية. فالتهدئة في غزة أو الضفة لا يمكن عزلها عن توازنات الردع بين إسرائيل وإيران، ولا عن طبيعة الدور الأميركي في المنطقة.
بالنسبة لمصر، فإن المشاركة في هذا الاجتماع تمثل فرصة لتثبيت عدد من الثوابت، أولها التأكيد على مركزية حل الدولتين باعتباره الإطار الوحيد القابل للحياة والاستدامة، ثانيها الربط بين وقف إطلاق النار وإطلاق مسار سياسي واضح بجدول زمني محدد، لأن تجارب السنوات الماضية أثبتت أن إدارة الصراع من دون أفق سياسي تعني إعادة إنتاج جولات العنف، ثالثها الدفع نحو آلية دولية منظمة لإعادة إعمار غزة، تضمن بقاء السكان في أرضهم، وتمنع أي سيناريوهات للتهجير القسري أو إعادة هندسة ديموغرافية للقطاع.
كما تسعى مصر إلى توظيف حضورها في المجلس لتعزيز التنسيق العربي والدولي، وإبراز أن الاستقرار الإقليمي لا يتحقق عبر مقاربات أمنية ضيقة، بل عبر معالجة جذور الصراع: الاحتلال، والاستيطان، وغياب الأفق السياسي. مصر تدرك أن نتائج الاجتماع قد لا تكون حاسمة أو فورية، خاصة في ظل تعقيد المواقف الدولية وتباين أولويات القوى الكبرى، غير أن الحضور الفاعل يظل أفضل من ترك الساحة لفاعلين آخرين قد يدفعون باتجاه ترتيبات لا تراعي الثوابت العربية أو الحقوق الفلسطينية.
من جهة أخرى، يواجه مجلس السلام تحدياً يتعلق بمصداقيته، فالمجتمع الدولي شهد خلال العقود الماضية العديد من المبادرات والمؤتمرات التي انتهت إلى بيانات عامة من دون آليات تنفيذ واضحة.
نجاح المجلس، إن تحقق، سيكون مرهوناً بقدرته على تحويل التوافقات النظرية إلى التزامات عملية، سواء فيما يتعلق بوقف الاستيطان، أو حماية المدنيين، أو إطلاق مفاوضات جادة برعاية دولية.
وفي هذا الإطار، يمكن لمصر أن تلعب دوراً محورياً في ربط المخرجات النظرية بالواقع الميداني، بحكم قنواتها المفتوحة مع مختلف الأطراف.
ختاماً، يمثل اجتماع مجلس السلام لحظة اختبار مزدوجة: اختبار للإرادة الأميركية في الدفع نحو تسوية حقيقية، واختبار لقدرة الأطراف الإقليمية على بلورة رؤية مشتركة تتجاوز إدارة الأزمات إلى صناعة السلام.
ومصر، بحكم تاريخها ودورها الجغرافي والسياسي، تدخل هذا الاجتماع وهي تدرك أن الطريق طويل وشائك، لكنها تدرك أيضاً أن غياب الفعل السياسي يفتح المجال أمام فرض وقائع أحادية على الأرض، لذلك فإن مشاركتها ليست مجرد حضور دبلوماسي، بل محاولة واعية للتأثير في مسار الأحداث، والحفاظ على بوصلة الحل العادل والشامل الذي يضمن قيام الدولة الفلسطينية المستقلة، ويعيد للمنطقة قدراً من الاستقرار المفقود.