حكاية ساعة قبل الفطار.. «رسالة من الجنة»
مع اقتراب أذان المغرب، وتلك اللحظات التي تلتقي فيها القلوب بالسماء في رمضان، تتكثف الأنفاس، ويصبح الصمت أعمق، والوقت أبطأ.. ساعة قبل الفطار، ساعة تتسرب فيها النفحات بين حلاوة الذكر وأريج المسك، نفتح لكم نافذة على حكاية مختلفة، حكاية تنبض بالإنسانية، وتذكرنا بأن خلف الفقد دوماً أمل، وأن وراء كل دمعة روح تتنفس.
على مدار ثلاثين يومًا من الشهر الكريم، سنرافقكم في رحلة مع ثلاثين حكاية من مجموعة «حكاية ساعة قبل الفطار» للأديب الكبير إبراهيم عبد المجيد؛ ثلاثون نبضة إنسانية تقربنا من بيوت تشبه بيوتنا، ومن قلوب تعرف الحزن والرجاء معًا، وتعرف كيف يتحول الألم إلى حضور خفي، والغياب إلى أثر يملأ المكان.
رسالة من الجنة
نفتتح هذه الرحلة بحكاية «رسالة من الجنة»، بيت فقد ابنه شهيدًا، لكنه ظل حيا في تفاصيل المكان، في القرآن المفتوح على الحامل الخشبي العتيق، في رائحة الكافور التي لم تفارق الحجرة منذ العصور الوسطى، وفي إيمان لا ينكسر بأن العطاء لا ينتهي بالموت، وأن من يرحل إلى الله يترك وراءه أثرًا أطيب من المسك، وأبقى من الدموع.
حكاية عن حزن صابر، وعن رسالة تصل في لحظة صفاء، فتبدل الألم طمأنينة، والفقد معنى، وتذكرنا بأن كل روح غادرت كانت بداية لقصة تفيض بالعطر والسلام.
آيات تُتلى في صمت
«جلس الأب في الصالة، صامتًا، يتلو آيات من القرآن. أمامه حامل خشبي قديم، منحوت بعناية، مطعّم بالصدف الذي يرسم طيورًا كأنها تسبح في الفضاء، المصحف العتيق يرتاح عليه، وعطر الكافور يغطي المكان، كأنه ظلّ الزمن كله محفوظ في نفس الرائحة.
كانت نصف ساعة فقط تفصلهم عن مدفع الإفطار. في المطبخ، الأم والإبنة تجهزان الطعام والشراب، والراديو الصغير ينساب منه صوت الشيخ محمد رفعت، يملأ المكان بالطمأنينة والسكينة.
لكن فجأة، رأت رقية دمعة تنساب من عيني أمها. لم تستطع أن تتحمل، فصرخت:
ـ ماما!
وانفجرت بالبكاء، منهارة على مقعد صغير. الأم، متماسكة رغم الحزن، اقتربت منها، وضعت رأسها على صدرها، تمسح دموعها براحتيها وتقول:
ـ خلاص يا رقية… حقك عليا.. ما تعيطيش يا حبيبتي… أخوكي في أحسن مكان عند ربنا.
لكن رقية، والدموع تملأ عينيها، قالت:
ـ بلاش بابا يسمعك… بابا مش مستحمل يا ماما… يعلم الله حالته إيه دلوقتي… في أول يوم رمضان… وأخويا مش معانا.
رفعت رأسها وقالت، باكية:
ـ ليه كده يا ماما؟ أخويا كان جميل أوي...
ابتسمت الأم بحزن:
ـ حكمة ربنا يا رقية… هو اللي بيختار… الشباب الحلوين كلهم… فاكرة صورهم؟ كلهم بيضحكوا... دول رايحين الجنة يا حبيبتي.
ـ لكن انتي مش قادرة تنسي يا ماما… وفي المدرسة كل يوم بتكتبي على السبورة تاريخ اليوم 28 يناير 2011… مس هبة قالت لي كده وكانت بتعيط عشانك.
قبل أن ترد الأم، سمعا الأب يهتف من الخارج:
ـ يا رقية… يا أم رقية!
هتفت الأم في هلع:
ـ باباكي!
جرى كل منهما نحو الصالة.. هناك، الأب جالس في مكانه، المصحف أمامه، مظروف أبيض ناصع البياض فوقه، يلمع في ضوء الشموع الخافت، وكأن وجوده وحده يكفي ليغير مسار كل اللحظات.
نظر إلى المظروف بدهشة:
ـ جواب من مصطفى…
ابتسمت الأم والإبنة بنصف ابتسامة من الاندهاش، بينما الأب أشار إلى النافذة نصف المفتوحة:
ـ دخل من هنا… طائر ما شفتش زيه… دخل، رفع الجواب… وطار! شامين الريحة؟
جلست الأم بجواره، تبكي وهي تقول:
ـ خايفة عليك يا أبو مصطفى… ليه بتعمل في نفسك كده؟ ابننا عند ربنا… شهيد… مع الصديقين والأنبياء.
لكن رقية أمسكت بالمظروف. بدأ يفتح نفسه وحده بين يديها، فوضعت يدها على الفور، وترتجف.
تدفقت منه زهور بيضاء صغيرة، تسبح في الصالة برقة، فابتعدت رقية وجلست بجوار أبيها، وهو يحيط بها وبأمها بذراعيه، ويتمتم:
ـ بسم الله الرحمن الرحيم… بسم الله الرحمن الرحيم…
الزهور البيضاء استمرت في الخروج، ملأت المكان برائحة المسك العتيق، بعضها طار نحو النافذة نصف المغلقة، يرقص مع النسيم، كعصافير الفجر.
ـ افتحي الشباك يا رقية… على الآخر!
أسرعت رقية، فتدفقت الزهور إلى الخارج، غطت الشوارع بعطرها، وتجمّد الأب والأم أمام المظروف الذي لا ينتهي منه شيء.
عاد الناس ينظرون بدهشة، الزهور تتسلل إلى كل البيوت، إلى الشرفات، إلى القلوب… ورائحة الجنة تتغلغل في النفوس.
وفي بيت أبي مصطفى، توقف تدفق الزهور أخيرًا. الأب والأم ورقية جلسوا معًا، في فرحة عميقة، يقبلون المظروف كما لو أنه رسالة من السماء.
في الشوارع، في البيوت، في القرى والمدن، الناس كانوا صامتين، يستنشقون رائحة المسك العتيق، ينظرون لبعضهم بدهشة ودموع، ويشعرون بأن شيئًا من الجنة مرّ بهم قبل الإفطار.
ومع دقات مدفع الإفطار، جلس الجميع، صامتين، ممتلئين بطمأنينة لم يعرفوها من قبل، وكأن ساعة قبل الفطار أصبحت ساعة نور ورحمة».