رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

رمضان في بيت النبوة.. كيف كان الرسول يستقبل الشهر الكريم؟

 رمضان في بيت النبوة
رمضان في بيت النبوة

لم يكن رمضان في بيت النبوة ضيفًا يفاجئ أهله، بل حبيبًا ينتظر، وموعدًا تعد له القلوب قبل أن تعد له البيوت، كان النبي يعيش حالة شوقٍ مبكر لهذا الشهر، يستحضره في دعائه، ويتطلع إلى بلوغه بروح المشتاق إلى موسم القرب.

كان دعاؤه ببلوغ رمضان يكشف وعيًا عميقًا بقيمة العمر، وأن أعظم الخسارة أن تمر مواسم الطاعة دون انتباه، فبلوغ الشهر نعمة، واستقباله بوعي نعمة أخرى، أما اغتنامه فهو التوفيق بعينه، وهكذا علم الأمة أن الاستعداد يبدأ من القلب قبل أن يبدأ من المائدة، ومن النية قبل أن يبدأ من الصوم.

فرح صادق

كان النبي يستقبل رمضان بالبشر، فرحًا لا تصنعه المظاهر، بل تصنعه المعاني، كان يعلم أن الشهر موسم رحمة تفتح فيه أبواب السماء، وتتنزل فيه السكينة، وتضاعف فيه الحسنات، لذلك كان الفرح به فرح العابد الذي أقبل عليه ميدان جديد للطاعة، وفرح المحب الذي جاءه موعد القرب من ربه.

ذلك الفرح لم يكن انفعالًا عابرًا، بل كان طاقة إيمانية تترجم إلى عمل، فكلما اقترب الشهر، ازداد استعدادًا، وكأن روحه تتهيأ لرحلة صفاء طويلة، يتخفف فيها من أثقال الدنيا، ويتزود فيها لما هو أبقى.

مدرسة الصيام

في بيت النبوة، لم يكن الصيام مجرد امتناعٍ عن الطعام والشراب، بل كان بناءً متكاملًا للنفس كان النبي يربي أصحابه على أن حقيقة الصوم في كف الجوارح قبل كف المعدة، وفي صيانة اللسان قبل صيانة الشفاه، الصوم عنده ضبط للشهوة، وتربية على الصبر، وارتقاء في درجات المراقبة.

كان يذكرهم أن الغاية الكبرى من الصيام هي التقوى؛ أن يخرج الإنسان من رمضان أكثر وعيًا بربه، وأكثر إحساسًا بمسؤوليته، وأكثر حرصًا على أن يكون ظاهره كباطنه، فالصيام مدرسة يتعلم فيها المسلم كيف ينتصر على نفسه، وكيف يسمو على رغباته، وكيف يجعل رضى الله فوق كل اعتبار.

باب الريان

ومن بشاراته العظيمة للصائمين أنه أخبر عن منزلة خاصة أعدها الله لهم في الآخرة؛ باب في الجنة يقال له «الريان»، لا يدخله إلا الصائمون، وهي صورة مهيبة لجزاء عظيم، تشعر المؤمن أن تعبه محفوظ، وأن جوعه مكتوب، وأن عطشه لن يضيع.

كان صلى الله عليه وسلم يغرس في النفوس هذا المعنى؛ أن ما يترك لله يعوض بأعظم منه، وأن الصبر ساعة يفتح أبوابًا من الكرامة لا تخطر على بال، فالصائم لا يحرم نفسه، بل يدخر لها عند الله ما هو أبقى وأجمل.

توبة صادقة

لم يكن استقبال رمضان عنده كلمات تقال، بل مراجعة حقيقية للنفس، توبة صادقة، ورد للحقوق، وحرص على الصلاة في أوقاتها، وقضاء لما فات منها، وتصحيح للمسار قبل أن يفتح سجل الشهر الجديد، كان يعلم أن أعظم ما يستقبل به رمضان قلب خفيف من الأوزار، صادق في عزمه على التغيير.

كان الشهر عنده فرصة لإعادة ترتيب الأولويات؛ أن تتقدم الآخرة على الدنيا، وأن يعلو صوت القرآن فوق ضجيج الانشغال، وأن يصبح للوقت قيمة مضاعفة لأنه زمن مبارك.

إحسان عام

وفي رمضان، كان بيت النبوة يعرف معنى الجود كان النبي يحث على إطعام الطعام، وعلى الإحسان إلى الفقراء والمحتاجين، دون إسراف أو تبذير، كان يعلم أن الجوع الذي يذوقه الصائم يفتح في قلبه باب الرحمة، فيشعر بحاجة غيره كما يشعر بحاجته.

كان الفائض يوجه إلى من يستحق، وكانت موائد الخير تمتد لتجسد معنى التكافل الذي جاء به الإسلام. فالصوم لم يكن عبادة فردية معزولة، بل عبادة تصنع مجتمعًا أكثر تراحمًا وتماسكًا.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء