رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

كارثة تعليمية في ملف الوافدين.. أطباء بـ75% ولغة عربية في كليات عملية| خاص

وزير التعليم العالى
وزير التعليم العالى والبحث العلمى

تُعد أزمة الطلاب الوافدين أحد الملفات المُرحّلة من الدكتور أيمن عاشور، وزير التعليم العالي والبحث العلمي السابق، إلى الوزير الحالي الدكتور عبد العزيز قنصوة؛ حيث تحولت هذه الأزمة إلى "صداع مزمن"، بسبب الصراع بين تحقيق هدف مهم بتدويل التعليم المصري وجعله مقصداً من المقاصد التعليمية المنافسة في المنطقة، وبين تأثير الإقبال الكبير من قبل الوافدين على جودة التعليم المصري، ومزاحمة الطلاب المصريين على المقاعد، لا سيما وأن التنسيق ينصف "الوافد" على "المصري" الذي يلتحق بكليات القمة بمجموع أعلى كثيراً من نظيره الوافد.

 

مؤشرات النمو ومنظومة التعليم

وفيما يتعلق بمؤشرات النمو، بلغ إجمالي عدد الطلاب الوافدين الدارسين في مصر نحو 198 ألف طالب، من بينهم 138 ألف طالب ملتحقون بمنظومة التعليم العالي، موزعين على 28 جامعة حكومية، و34 جامعة خاصة، و22 جامعة أهلية، ويمثل هؤلاء الطلاب 119 جنسية من مختلف دول العالم. وقد استحوذ القطاع الطبي على النسبة الأكبر من إقبال الطلاب الوافدين، يليه القطاع الهندسي، ثم العلوم الإنسانية.

 

وخلال عام 2025، واصلت الإدارة المركزية لشؤون الطلاب الوافدين تعزيز التعاون مع الدول العربية، بالتوازي مع توسيع قاعدة الاستقطاب من القارة الأفريقية، وزيادة أعداد الطلاب القادمين من دول آسيا وأوروبا، في إطار استراتيجية تنويع الأسواق التعليمية. وبشأن التخصصات الدراسية، حرصت الوزارة على دعم التخصصات البحثية والعلمية المتنوعة؛ حيث شهدت المرحلة الجامعية إقبالاً كبيراً على العلوم الطبية، والعلوم الإنسانية، والعلوم الهندسية، وعلوم الفنون.

 

منصة "ادرس في مصر" والتحديثات الجديدة

وتُعد منصة «ادرس في مصر» المحور الرئيسي لإدارة منظومة الطلاب الوافدين، حيث تعمل بثلاث لغات هي العربية والإنجليزية والفرنسية، وتقدم كافة خدمات التقديم للمرحلة الجامعية والدراسات العليا وبرامج تعليم اللغة العربية والدبلومات والبرامج القصيرة. وقد شهدت المنصة خلال عام 2025 تحديثاً شاملاً، شمل البرامج الجامعية والدراسات العليا، وإضافة الجامعات الخاصة، وتحديد أعداد المقاعد المتاحة لكل جنسية، وتعزيز منظومة الدعم الفني.

 

رؤية الدكتور محمد كمال الدوافع والمحاذير

يرى الدكتور محمد كمال، الخبير التربوي وأستاذ الأخلاق بجامعة القاهرة، أن دول العالم تسعى لاجتذاب الطلاب الوافدين إما كمصدر دخل، أو لاجتذاب النوابغ فيما يعرف بـ«سرقة العقول»، أو لضمان وجود قوة ناعمة موالية للدولة مستقبلاً. وأوضح أن الولايات المتحدة تستقطب نحو 1.2 مليون طالب وافد بإيرادات تصل إلى 55 مليار دولار، بينما تستقبل تركيا نحو 300 ألف طالب، والإمارات 85 ألف طالب والأردن 45 ألف طالب.

 

وأشار الدكتور محمد كمال إلى أن مصر تستقبل نحو 138 ألف طالب وافد بمصروفات أقل بكثير من الدول المنافسة، حيث تتراوح مصروفات دراسة الطب بين 6 و8 آلاف دولار، مع تخفيضات تصل إلى 50% لطلاب فلسطين وسوريا، و70% لطلاب السودان، لافتاً إلى أن النسبة المقررة للطلاب الوافدين والتي كانت لا تتجاوز 25% تم تجاوزها في عدد من كليات الطب، حتى أصبحت أعداد الوافدين تقارب أعداد الطلاب المصريين.

الدكتور محمد كمال 
الدكتور محمد كمال 

وحذر من أن هذا التوسع غير المحسوب في قبول الوافدين، خاصة في التخصصات الطبية، يقلل من فرص الطلاب المصريين، رغم معاناة الدولة من عجز في أعداد الأطباء، كما يؤدي إلى منافسة المصريين في سوق العمل الخارجي مستقبلاً، وانخفاض حصيلة العملة الأجنبية، في وقت يدرس فيه نحو 50 ألف طالب مصري بالخارج بتكلفة تصل إلى 1.2 مليار دولار سنوياً.

 

وأكد أن تنظيم قبول الطلاب الوافدين لا يعني رفضهم، وإنما وضع معايير عادلة، والاستفادة من التجربة التركية، مع الحفاظ على مصلحة الدولة والطلاب المصريين، وتحقيق التوازن بين تدويل التعليم وحماية الحق الأصيل للمصريين في التعليم الجامعي. وقد قدم عدداً من المقترحات لتنظيم دراسة الطلاب الوافدين بالجامعات مع مراعاة مصلحة الطلاب المصريين واستفادة الخزانة العامة للدولة وليس أشخاصاً بعينهم، وهي:

 

مضاعفة نسبة الطلاب أبناء المصريين في الخارج إلى 10%.

 

مضاعفة النسبة المرنة لطلاب "ستيم" (STEM).

 

ألا تزيد نسبة الطلاب الوافدين في الجامعات الحكومية عن 15%، وبمجموع لا يقل عن 85% في كليات الطب.

 

تقديم منح للطلاب الوافدين كأشخاص، وألا تزيد نسبتهم عن 0.5% من إجمالي الأعداد المقبولة في العام الدراسي على مستوى الكلية.

 

فتح الباب أمام التحاق الوافدين بالجامعات الأهلية والخاصة بشرط عدم تخفيض المصروفات عن المقرر لأي سبب من الأسباب، وبمجموع لا يقل عن 75%.

 

تورد كل حصيلة رسوم الطلاب الوافدين بكل مسمياتها للخزانة العامة، وعدم صرف أي مكافأة تحت أي مسمى لأي من قيادات الكليات وأعضاء هيئة التدريس والموظفين تزيد عن صافي مرتب 3 شهور سنوياً لكل الأعمال المتعلقة بالوافدين.

 

لا يحصل الطالب الوافد على الإقامة الدراسية إلا بعد قبوله وسداد الرسوم الدراسية للفرقة الأولى. وفي حالة تخلف الطالب الوافد عن سداد الرسوم الدراسية عامين متتاليين يتم فصله ولا يجوز تسجيله في أي جامعة إلا بعد سداد الرسوم المتخلف عن سدادها.

 

رؤية الدكتور مجدي عبد العال ممارسات غير سليمة

أزمة الطلاب الوافدين يراها الدكتور مجدي عبد العال، أستاذ كيمياء البوليمرات، أن هناك ممارسات غير سليمة في ملف التعليم العالي، حيث يكشف أنه كان منسقاً لمكتب الوافدين (2019- 2022)، ويرى أن الطلاب الوافدين في مصر جملة تعني حوالي مليار دولار سنوياً لكنها تأتي على حساب أحلام الطلاب المصريين.

 

والأرقام التالية تقريبية ولكنها ليست مجرد إحصائيات، إنها وصف دقيق لكارثة تعليمية تهدد مستقبل التعليم العالي في مصر؛ فالحقيقة أن طالباً وافداً يدخل كلية الطب بـ 75% في الثانوية العامة، بينما الطالب المصري لا يدخلها إلا بـ 92%؟ وفي كلية طب قصر العيني العريقة، هناك عدد من الطلاب الوافدين يقارب أعداد الطلاب المصريين.

الدكتور مجدي عبد العال
الدكتور مجدي عبد العال

وأشار إلى أن مصر تحصل على قرابة المليار دولار سنوياً من الطلاب الوافدين، لكن جودة التعليم تتراجع والطلاب المصريون يهاجرون للدراسة بالخارج. ويكشف الخبير التربوي بأن هناك 50 ألف طالب مصري تقريباً يدرسون بالخارج وينفقون 1.2 مليار دولار سنوياً، بينما نستقبل وافدين بدرجات لا تؤهلهم لدراسة الطب، وأشار إلى أنه يتم التساهل مع الطلاب الوافدين ليتمكنوا من النجاح بمنطق أنهم لن يمارسوا العمل هنا بعد التخرج.

 

الأضرار الواقعة على الطالب المصري

ويرى الدكتور مجدي أن الضرر الأكبر يقع على الطلاب المصريين من خلال العديد من الملفات منها:

سرقة مقاعد كليات القمة ، فما يحدث في كليات الطب والهندسة هو أكبر ظلم تعليمي في تاريخ مصر الحديث؛ فما يحدث في طب قصر العيني يحدث كذلك في باقي الكليات بوجه عام. هذه الأرقام تعني أن الطالب المصري أصبح "نادراً" في كليات بلده.

 

فجوة مجموع القبول وتمييز صارخ: فالطالب المصري يدرس 12 سنة ويحصل على 92% ليدخل الطب، ثم يفاجأ بأن زميله الوافد يدخل نفس الكلية بـ 75% فقط! ويرى أن السؤال المحير: كيف يستوعب طالب حصل على 75% مناهج طبية معقدة، بينما الطالب المصري الحاصل على 98% يعتبر مجموعه غير كافٍ للقبول؟

 

المصريون يهاجرون والوافدون يحتلون المقاعد: وهي المفارقة المذهلة التي يغفلها المسؤولون.

 

وكشف عن أن مصر تستقبل حوالي 200 ألف وافد يدفعون حوالي 600 - 1000 مليون دولار، وفي المقابل يدرس 50 ألف طالب مصري بالخارج وينفقون 1.2 مليار دولار، بما يعني أن مصر تخسر 1.2 مليار دولار تنفقها على تعليم أبنائها بالخارج، بينما تحتفي بـ 0.6 - 1 مليار دولار من الوافدين، بخسارة صافية تتجاوز 200 مليون دولار سنوياً!

 

الجودة والقيمة المضافة

ويطرح الدكتور مجدي عبد العال سؤالاً: هل يستفيد الوافدون مقابل ما يدفعونه؟ والإجابة تقول إن جودة التعليم في تراجع؛ فالتوسع غير المسبوق في أعداد الوافدين أدى إلى تكدس في المدرجات بأعداد متقاربة من الوافدين والمصريين في نفس القاعات، وضغط على أعضاء هيئة التدريس (فلا يمكن لنفس العدد من الأساتذة تدريب أضعاف أعداد الطلاب)، وتراجع التدريب العملي (فالمستشفيات الجامعية لا تستوعب هذا الكم الهائل من الطلاب).

 

وفجر الدكتور مجدي عبد العال مفاجأة أخرى، بأن الطلاب الوافدين يدرسون باللغة العربية في كليات تدرس باللغة الإنجليزية! فقد اضطرت بعض كليات الطب إلى تدريس المناهج باللغة العربية للطلاب الوافدين، لأن مستواهم في اللغة الإنجليزية لا يؤهلهم لاستيعاب الطب بالإنجليزية! وهنا يطرح التساؤل نفسه: أي تعليم هذا الذي يقدم؟ وأي قيمة مضافة يحصل عليها الطالب الوافد مقابل آلاف الدولارات التي يدفعها؟

 

خرافة التصنيفات الدولية

وحول أهمية الطلاب الوافدين في مؤشرات تصنيف الجامعات على الخريطة الدولية، يرى أن هذه "خرافة التصنيفات العالمية"؛ فالمسؤولون يبررون سياسة استقبال الوافدين بأنها ترفع تصنيف الجامعات المصرية عالمياً. لكن المهتم بتطوير التعليم العالي يعلم أن وزن الطلاب الدوليين في تصنيف شنغهاي (ARWU) يساوي 0%، وفي تصنيف QS البريطاني يساوي 5% فقط، وفي تايمز (THE) يساوي 2.5% فقط، بينما تصنيفات يو إس نيوز، وليدن، ويبومتريكس تساوي 0% كذلك.

 

وأشار إلى أن وجود الطلاب الدوليين عنصر ثانوي جداً في تصنيفين فقط بنسبة لا تتجاوز 5%، وبقية التصنيفات لا تعطي أي أهمية لهم، بينما العناصر الأكثر أهمية مثل جودة التدريس، ونسبة الأساتذة إلى الطلاب، والبحث العلمي هي في تراجع مستمر.

 

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء