بعد حكم الدستورية.. القصة الكاملة لـ أزمة جداول المخدرات بين الدواء والصحة
في تطور قانوني وإداري بالغ الأهمية، أعاد حكم المحكمة الدستورية العليا وقرار وزير الصحة والسكان، الأخير رسم خريطة الاختصاصات المتعلقة بتعديل جداول المواد المخدرة في مصر، بعد سنوات من الجدل حول الجهة المختصة قانونًا بإجراء هذه التعديلات، وما ترتب عليه من تداعيات تشريعية وتنفيذية.
حكم الدستورية يُبطل قرارات هيئة الدواء
نشرت الجريدة الرسمية حكم المحكمة الدستورية العليا الصادر في 16 فبراير 2026، والذي قضى بعدم دستورية قرار رئيس هيئة الدواء المصرية رقم 600 لسنة 2023 بشأن استبدال الجداول الملحقة بقانون مكافحة المخدرات رقم 182 لسنة 1960، مع سقوط جميع القرارات السابقة واللاحقة المرتبطة به.
وجاء الحكم بعد إحالة من إحدى الدوائر الجنائية بـمحكمة النقض، التي رأت وجود شبهة مخالفة دستورية في صدور القرار من رئيس هيئة الدواء، رغم أن القانون منح صراحة سلطة تعديل هذه الجداول للوزير المختص.
وأكدت المحكمة في حيثيات حكمها أن إصدار رئيس هيئة الدواء لهذه التعديلات يُعد تجاوزًا للتفويض التشريعي الممنوح لوزير الصحة، وافتئاتًا على مبدأ سيادة القانون والفصل بين السلطات، ومخالفة صريحة للمواد 5 و94 و95 و101 من الدستور.
وشددت المحكمة على أن بطلان القرار لا يعني الإفلات من العقاب في جرائم المخدرات، حيث تظل الجداول الأصلية الصادرة بقرار رئيس الجمهورية بالقانون رقم 182 لسنة 1960 سارية وواجبة التطبيق، إلى حين تعديلها بأداة قانونية صحيحة.

وزير الصحة يتدخل بقرار عاجل
في استجابة مباشرة للحكم، أصدر خالد عبدالغفار، وزير الصحة والسكان، القرار الوزاري رقم 44 لسنة 2026، باستبدال الجداول الملحقة بقانون مكافحة المخدرات.
ويهدف القرار إلى تصحيح الأداة القانونية المستخدمة في تعديل الجداول، وإعادة الأمور إلى الإطار الدستوري السليم، بما يضمن استمرار الرقابة على المواد المخدرة والمؤثرات العقلية، مع الحفاظ على شرعية الإجراءات القانونية المنظمة لها.
وأكدت وزارة الصحة أن القرار يأتي التزامًا بتنفيذ حكم المحكمة الدستورية العليا، وضمان استمرار منظومة مكافحة المخدرات وفق قواعد قانونية سليمة، بما يحمي المجتمع ويمنع أي فراغ تشريعي.
مجلس الدولة يحسم الجدل حول الوزير المختص
بالتوازي مع حكم الدستورية وقرار وزير الصحة، كشفت فتوى صادرة عن مجلس الدولة، ممثلًا في الجمعية العمومية لقسمي الفتوى والتشريع، عن تفسير قانوني بالغ الأهمية يتعلق بتحديد الجهة المختصة فعليًا بتنظيم تداول المواد المخدرة ذات الاستخدام الطبي.
وأكدت الفتوى أن المشرع منح هيئة الدواء المصرية اختصاصًا كاملًا بتنظيم تسجيل وتداول ورقابة المستحضرات الطبية والمواد الخام الداخلة في تصنيعها، بما يشمل المواد المخدرة التي تُستخدم في الأغراض الطبية.

واستندت الجمعية العمومية إلى أن رسوم استيراد المواد المخدرة وأذون الجلب تُحصَّل لصالح هيئة الدواء، ما يعكس انتقال الاختصاص الفني والتنظيمي إليها بصورة واضحة.
وانتهت الفتوى إلى نتيجة حاسمة مفادها أن رئيس هيئة الدواء المصرية يُعد، من الناحية القانونية، الوزير المختص بتطبيق المادة (32) من قانون مكافحة المخدرات، فيما يتعلق بتنظيم وتداول المواد المخدرة المرتبطة بالمستحضرات الطبية.

تضارب بين النص القانوني وإعادة توزيع الاختصاصات
تعود جذور الأزمة إلى نص المادة (32) من قانون مكافحة المخدرات، التي منحت الوزير المختص سلطة تعديل الجداول. لكن مع إنشاء هيئة الدواء المصرية ونقل اختصاصات تنظيم سوق الدواء إليها، ظهر تساؤل قانوني حول المقصود بالوزير المختص: هل هو وزير الصحة أم رئيس هيئة الدواء؟
حكم المحكمة الدستورية حسم جانبًا من الأزمة، مؤكدًا عدم دستورية صدور التعديلات من رئيس الهيئة دون سند تشريعي واضح، فيما أكدت فتوى مجلس الدولة أن الاختصاص الفني والتنظيمي انتقل بالفعل إلى الهيئة، ما يعكس حالة من إعادة ترتيب الاختصاصات تحتاج إلى ضبط تشريعي صريح.
مرحلة جديدة في تنظيم ملف المخدرات
تكشف هذه التطورات عن مرحلة انتقالية في تنظيم ملف المواد المخدرة في مصر، تتجه نحو تكريس الدور الفني لهيئة الدواء المصرية، مع الحفاظ على الإطار الدستوري الذي ينظم إصدار القرارات ذات الطبيعة التشريعية.
ومن المتوقع أن يترتب على ذلك:
إعادة تنظيم آلية إصدار قرارات تعديل جداول المخدرات
توضيح العلاقة القانونية بين وزارة الصحة وهيئة الدواء
تعزيز الرقابة الفنية على تداول المواد المخدرة ذات الاستخدام الطبي
ضمان سلامة الإجراءات القانونية المرتبطة بجرائم المخدرات
وبحسب مراقبون فقد أعاد حكم المحكمة الدستورية وقرار وزير الصحة وفتوى مجلس الدولة رسم حدود الاختصاصات في واحد من أكثر الملفات حساسية، بما يعزز شرعية الإجراءات القانونية، ويحكم السيطرة على تداول المواد المخدرة، في إطار من التوازن بين مقتضيات الأمن الدوائي وسيادة القانون.