استيقظ المستخدم الرشيد من نومه فذهب إلى دورة المياه؛ حيث اغتسل وتوضأ، ثم انتقل إلى مكان الصلاة فصلى، ثم انتقل إلى المطبخ فأعد فنجانًا من القهوة، عاد به إلى الصالة، حيث المذياع يصدح بأغاني الصباح المشرقة، بعد الانتهاء انتقل إلى غرفة النوم مجددًا؛ حيث ارتدى ملابسه وعاد إلى الصالة لالتقاط مفاتيح المنزل والسيارة وشيء آخر لم نتبينه جيدًا وغادر إلى محل عمله.
في العمل انتقل بين عدة اجتماعات ثم عاد إلى مكتبه؛ حيث انتهى من إعداد عددًا من التقارير على شاشة حاسبه الشخصي تخللها عددًا من الاتصالات التليفونية القصيرة قبل أن يغادر إلى المنزل مرة أخرى.
بعد أن انتهى من وجبة الغذاء ارتدى ملابسه مجددًا وذهب لمقابلة عددًا من الأصدقاء حيث تبادلوا أطراف الحديث الذي امتلأ بالدعابة وبالحكمة أيضًا، امتلأ سطح الطاولة أمامهم بالعديد من المشروبات والكثير من مفاتيح المنازل والسيارات وأشياء أخرى غامضة لم تمتد إليها الأيدي إلا وقت الرحيل حيث انتقلوا بعد ذلك إلى أحد دور السينما لمشاهدة فيلمًا خفيفًا قبل أن ينتقلوا إلى أحد المطاعم لتناول وجبة العشاء وسط ضحكات عالية ودعابات لطيفة.
بعد ذلك عادوا إلى منازلهم "مسرورين" مثلما تشير موضوعات التعبير التي درسوها جيدًا في المرحلة الابتدائية قبل أن يخلد كل منهم إلى نوم عميق لا قلق فيه.
لعلك عزيزي القارئ قد تتساءل أو قد تكون قد خمنت بالفعل ما هي تلك الأشياء الغامضة التي كانوا يحملونها، نعم إنها الهواتف الذكية، لا تواصل اجتماعي مزعج ممتلئ بأخبار سخيفة أو تافهة أو تصيبهم بالتوتر، فالتواصل الاجتماعي عاد كما كان قبل انتشار تلك الشبكات، والأخبار يحصلون عليها من خلال متابعة نشرات الأخبار في المذياع أو عبر شاشات التلفاز ولمدد قصيرة، أحيانًا يمر أيام ولا يعرفون من الأخبار إلا الكبير والمهم، لم يعرفوا أن رجلًا تشاجر مع شاب في أحد عربات المترو، أو أن طلبة صنعوا ممر شرف لأحد المدرسين بعد انتهاء العام الدراسي، أو أن هناك رجلًا يمتلك جزيرة يغتصب فيها الفتيات الصغيرات، كما لم يكترثوا كثيرًا لسعر البانيه أو الطماطم أو لنبوءة أحد العرافين باقتراب نيزك من الأرض وأنه على وشك الارتطام بها بعد نقطتين اللتين قد يكونا يومين أو شهرين أو سنتين أو قرنين.
لم يهتموا أيضًا بتصوير أنفسهم أثناء الجلوس معًا أو أثناء تناول السلطة أو شرب القهوة أو أثناء حشو أحد الضروس لدى عيادة طبيب شهير أو أثناء تخرج أحد الأبناء وإن فعلوا ذلك فإنهم لا يتبادلونها فيما بينهم إلا في أضيق الحدود ولا يشعرون أن عليهم واجبًا أو التزامًا أن يراها نصف سكان الكوكب من الناطقين بالعربية والإنجليزية وباقي اللغات الحية والميتة.
وهنا نأتي إلى السؤال الأهم، ماذا فقدوا جراء ذلك وماذا كسبوا، في الفقد نجد أنهم قد فقدوا التوتر والقلق والاكتئاب واضطرابات النوم وغيرها من السلبيات، أما في خانة المكسب فإنهم قد كسبوا المزيد من الوقت خلال اليوم للتمتع بالحياة ومباهجها الحقيقية وليست الافتراضية، فقد تواصلوا وتحدثوا وقرأوا واستمعوا إلى الموسيقى وشاهدوا السينما والمسرح وباقي الحفلات وحضروا الندوات الممتعة، باختصار هم كسبوا أنفسهم وخسروا سيطرة تلك الأجهزة الذكية، قاتل الله إدمانها وحمانا وإياكم من مضارها.