رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

لم تفشل الدول العربية في معالجة أزماتها المتراكمة بسبب نقص في المعرفة أو غياب التشخيص، بل لأن ما تعرفه جيدًا يبدو في كثير من الأحيان أخطر عليها من استمرار الوضع القائم، فخرائط الإصلاح معروفة، ومكامن الخلل واضحة، والتقارير والدراسات لم تتوقف عن التحذير منذ عقود، غير أن الفجوة الحقيقية لم تكن يومًا فجوة فهم، بل فجوة إرادة سياسية، فالإشكال لا يكمن في سؤال ماذا يجب أن نفعل؟، بل في سؤال: هل نملك الاستعداد لدفع تكلفة ما يجب فعله؟، هنا تحديدًا تبدأ معضلة الدولة العربية الحديثة، حيث يتحول الوعي بالمشكلة إلى سبب إضافي لتأجيل حلها.

يمثل الإصلاح، في جوهره، تهديدًا مباشرًا لتوازنات السلطة القائمة، فهو يعني إعادة توزيع النفوذ، وتوسيع دائرة المشاركة، وإخضاع القرار للمساءلة، وكلها خطوات تُضعف الامتيازات المتراكمة لنخب حاكمة اعتادت العمل في بيئة مغلقة. 

لذلك، لا يُقاوَم الإصلاح لأنه مجهول النتائج فحسب، بل لأنه معروف العواقب على بنية الحكم نفسها، فالإصلاح الحقيقي لا يُجمّل الواجهة، بل يمسّ جوهر العلاقة بين الدولة والمجتمع، ويعيد تعريف من يملك القرار وكيف يُتخذ. 

وفي أنظمة لم تُبنَ على عقد اجتماعي واضح، يصبح أي تغيير عميق مخاطرة وجودية في نظر أصحاب السلطة.

ولا تقل الوحدة العربية، أو حتى التنسيق الجاد، تهديدًا لحسابات الدول القطرية. فالوحدة، بمعناها السياسي أو الاقتصادي أو الأمني، تقلل هامش المناورة الفردي، وتفرض التزامات جماعية تحدّ من حرية القرار الأحادي، في بيئة إقليمية مضطربة، اعتادت فيها الدول العربية إدارة بقائها عبر التحالفات الثنائية والمقايضات، تبدو الوحدة عبئًا لا ميزة، فهي تتطلب تنازلات متبادلة، وشفافية أعلى، وقدرة على الالتزام، وهي شروط تصطدم بثقافة سياسية ترى في الاستقلالية الشكلية ضمانًا للأمن، حتى لو كانت هذه الاستقلالية هشة أو مشروطة.

أما الاستقلال الحقيقي، بمضمونه السياسي والاقتصادي، فيظل خيارًا مكلفًا في نظام دولي غير عادل، تحكمه موازين قوى مختلة، فالخروج عن منظومات النفوذ العالمية، أو محاولة بناء قرار سيادي مستقل، غالبًا ما يُقابَل بالضغط والعقوبات والعزل، وربما زعزعة الاستقرار. 

وفي ظل غياب سند عربي جماعي قادر على تقاسم تكلفة الاستقلال، تجد كل دولة نفسها أمام معادلة صعبة: إما التكيّف مع قواعد اللعبة الدولية، أو دفع ثمن باهظ قد يهدد استقرارها الداخلي، وهكذا، تتحول التبعية من خيار مؤقت إلى وضع دائم، يُدار باعتباره أقل الشرور.

في هذا السياق، يبدو الجمود خيارًا عقلانيًا من منظور قصير الأمد. فالجمود لا يثير صراعات داخلية، ولا يستفز قوى خارجية، ولا يفرض إعادة ترتيب مؤلمة للتوازنات القائمة، إنه يمنح شعورًا بالسيطرة، ولو كان زائفًا، ويؤجل لحظة المواجهة مع الأسئلة الصعبة، لذلك، تُدار الأزمات بدلًا من حلها، وتُحتوى التوترات بدلًا من تفكيك أسبابها، ويُقدَّم الاستقرار بوصفه قيمة مطلقة، حتى حين يكون هشًا أو غير عادل، في منطق إدارة الخوف، يصبح تأجيل المشكلة إنجازًا بحد ذاته.

لكن المفارقة التاريخية التي تواجهها بعض الدول العربية اليوم هي أن ما يُؤجَّل خوفًا من الانهيار، يقود إليه حتمًا. فالأزمات المؤجلة لا تتبخر، بل تتراكم، وتعود بأشكال أكثر عنفًا وتعقيدًا. 

غياب الإصلاح لا يحمي السلطة، بل يضعف شرعيتها تدريجيًا، وتفكك الوحدة لا يحصّن الدولة، بل يعزلها ويجعلها أكثر هشاشة، والتبعية لا تضمن الأمان الدائم، بل تُبقي القرار مرتهنًا لتقلبات الخارج، ومع مرور الوقت، يصبح الانفجار أقل ارتباطًا بالإرادة السياسية، وأكثر ارتباطًا بضغط الواقع نفسه.

إن أخطر ما في إدارة الخوف أنها تُقزّم الزمن السياسي، فهي تفكر في الحاضر الضيق، وتتجاهل المستقبل، وتراهن على بقاء الظروف على حالها، غير أن التاريخ لا يعمل بهذه الطريقة، فالمجتمعات تتغير، والتوازنات الدولية تتحول، والضغوط الديموغرافية والاقتصادية تتصاعد، وفي غياب رؤية استراتيجية، يتحول التغيير من خيار يمكن التحكم به إلى حدث مفروض لا يمكن إدارته، وهنا، تفقد الدولة القدرة على توجيه مسارها، وتجد نفسها أمام خيارات أقل، وتكلفة أعلى، ومخاطر أكبر.

من هنا، يبرز السؤال الاستراتيجي المفتوح، لا بوصفه استفهامًا نظريًا، بل كاختبار تاريخي حقيقي: هل يمكن للدول العربية أن تنتقل من منطق إدارة الخوف إلى منطق إدارة المستقبل قبل أن يُفرض التغيير من الخارج أو من الانهيار الداخلي؟ هذا السؤال لا يبحث عن إجابة سريعة أو شعارات جاهزة، بل عن استعداد لإعادة التفكير في مفهوم الاستقرار ذاته، وفي معنى القوة، وفي طبيعة العلاقة بين الدولة والمجتمع. 

فإما أن يُدار التغيير بعقلانية وإرادة، أو يُفرض بصدمة لا تترك مجالًا للاختيار، وفي هذا المفترق، يتحدد ما إذا كان المستقبل سيُصنع بأيدي العرب، أم سيُفرض عليهم من جديد.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء