رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت
عمرو فاروق- باحث
عمرو فاروق- باحث في شؤون الجماعات الأصولية والأمن الإقليمي

كنت أود أن أضع عنوان مقالي: "الله لن يغفر للإخوان والسلفيين"، لكن حاشا لله أن نتألى عليه سبحانه وتعالى بمقالنا هذا، في أن يمنع رحمته وعفوه عن عباده، لكننا أردنا أن نذكر السلفيين والإخوان ومن على شاكلتهم، ممن مارسوا عمليًا احتكار صكوك الغفران وامتلاك مفاتيح الجنة والنار، أن يقفوا مع أنفسهم وقفة يرجعون فيها تاريخهم وممارستهم التي تخطت أكثر من 100 عامًا، وكانوا فيها سببًا في انقسام الأمة وتخريب الدين، وأشاعوا التكفير والعنف، وأخرجوا المسلمين من ملتهم، وأفسدوا عليهم عقيدتهم؟ لعلهم يدركون أو يرون، وإذا لم يفعلوا فتلك مصيبة أخرى.

هل يدرك السلفيون والإخوان أن كتاباتهم وفتاويهم التي سُجلت ودُوِّنت في مئات الكتب كانت سببًا في نشر الانحرافات الفكرية، لا سيما منطلقات التكفير والتوسع فيه وانتشاره بين مختلف الأجيال والأعمار من الشباب -وما زال- على مدار السنوات المختلفة، فضلًا عن تبنيهم ثقافة محاكم التفتيش للطعن في إيمان الآخرين وضمائرهم، ورمي مخالفيهم بالباطل تحت لافتة "الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر"، أو بمعنى أدق بعدما شعروا أنهم أهل الله المصطفون والمختارون، وأنهم أوصياؤه على الأمة، وحراسه على العقيدة؟

هل يدرك السلفيون والإخوان، ومن سار على دربهم، أنهم أولوا وفسروا "آيات الجهاد" واقتصروها على القتال والعنف، وصاغوا ونشروا مفردات "ديار الحرب"، و"ديار الكفر"، و"الفئة الممتنعة"، و"جاهلية المجتمع"، و"حتمية المواجهة المسلحة"، وضرورة العمل التنظيمي والسري، وفرضية إقامة "الخلافة الإسلامية"، التي اعتبروها ركنًا من أركان الإسلام، رغم أنها نمط من أنماط الحكم يختلف باختلاف زمنه ومعاصريه، وتعمقوا في صناعة الجيوهات والجيوب داخل الدولة، التي سارعوا وتصارعوا في إسقاط مؤسساتها، نتيجة عقيدتهم التي كفرت العمل السياسي والإطار الديمقراطي والمؤسسات التشريعية بحجة مخالفتها لمضمون "حاكمية الله في أرضه"، والتي أولوها ووظفوها في غير مبتغاها؟

 في حين أنهم بدلوا وغيروا ما آمنوا به وروجوا له على مدار تاريخهم، عندما سنحت لهم الفرصة، وهبوا من أجل السيطرة على الدولة ومؤسساتها بغية تطويعها لمشروعهم الفكري، وفشلوا وقتها في أن ينتقلوا من "فقه التنظيم" و"مرجعية الجماعة" إلى "فقه الدولة" و"المرجعية الدستورية"، بل وعندما اختلفوا على تقسيم الكعكة تناحروا فيما بينهم وتحولوا إلى أعداء، ولعل واقعة "سلفية الإسكندرية" مع جماعة الإخوان خير دليل وشاهدة على حجم هذه التحولات والانتهازية والبرجماتية السياسية والدينية.

هل يدرك السلفيون والإخوان أن كل الدماء التي سالت ونالت من الدولة ومؤسساتها على مدار التاريخ المعاصر في رقبتهم بسبب توظيفهم لآيات القرآن الكريم وتأويلها في غير محلها، وإخراجها من سياقها، واستنطاق الآيات الكريمة لتتماشى مع توجهاتهم وأهدافهم، وقصرهم "تطبيق الشريعة" في "تطبيق الحدود"، أو المعاني الظاهرية، في حين أنهم تناسوا "مقاصد الشريعة" من حفظ النفس والمال والعرض والدين والأرض، والتي لن تتحقق في مجملها إلا في إطار "دولة وطنية قوية" وقادرة على حماية مواطنيها؟

هل يدرك السلفيون والإخوان أن كل التنظيمات التي مارست العنف والقتل والتوحش خرجت من رحم أفكارهم ومنطلقاتهم التنظيمية والحركية، سواء التي صاغها ابن تيمية ومحمد بن عبد الوهاب ورشيد رضا وحسن البنا وسيد قطب وأبو الأعلى المودودي ومحمد خليل الحاكيمة وأيمن الظواهري وعمر عبد الرحمن وغيرهم ممن تشددوا في رؤيتهم وانحرفوا بها عن سياقها المعتدل، فأحدثوا في الدين ما ليس فيه، وصبغوا الإسلام بصبغة التطرف والعنف والقتل والوحشية؟

هل يدرك السلفيون والإخوان أن قيادات وعناصر الجماعات الأصولية المسلحة وتيارات السلفية الجهادية التي نشرت العنف والتطرف الفكري خرجت من بين أيديهم نتيجة الضلالات الفكرية التي اعتنقوها ونشروها بين الأجيال الشبابية في المراحل الزمنية السابقة، ابتداءً من سيد قطب وعبد الفتاح عبده إسماعيل ومحمد يوسف هواش، أسامة بن لادن وأيمن الظواهري وأبو بكر البغدادي، ومروان حديد، وشكري مصطفى ورفاعي طه ورفاعي سرور، وغيرهم،  الذين انطلقوا من رحم جماعة الإخوان والجماعة الإسلامية وتنظيمات الجهاد، خلافًا لمجموعات العمل المسلح التي تمت صياغتها عقب سقوط حكمهم في مصر في يونيو 2013؟

وليس أوقع كذلك من أن المرجعيات الفكرية للتنظيمات المسلحة والفصائل المقاتلة في ليبيا وسوريا والعراق كانت من أبناء حزب النور والدعوة السلفية والسلفية العلمية والحركية في القاهرة، مثل تنظيم "داعش"، وتنظيم "القاعدة"، وجبهة "فتح الشام"، وجبهة "النصرة" سابقًا، و"كتائب الفرقان"، وحركة "أحرار الشام"، و"هيئة تحرير الشام"، وكان على رأسهم محمد ناجي، المكنى بـ"أبو اليقظان المصري"، وطلحة المسير، المكنى بـ"أبو شعيب المصري"، نجل الدكتور محمد المسير، أستاذ العقيدة والفلسفة بكلية أصول الدين، وشريف هزاع، المكنى بـ"أبو أيوب المصري"، وغيرهم.

هل يدرك السلفيون والإخوان أنهم أوقفوا الانتماء للدين على الانتماء للجماعة، وأوقفوا الإيمان بالعقيدة على الولاء والبراء للتنظيم، وقدموا الانتماء للدين على الانتماء للوطن رغم عدم التعارض بينهما، وصنعوا من المسلمين فريقين وصراعًا وهميًا بين أهل الإيمان وأهل الكفر، بل وجعلوا الأبناء يطعنون في إيمان آبائهم وأمهاتهم، وفككوا نسيج الأسرة الواحدة وبالتبعية نسيج الوطن، واستغلوا احتياج الطبقات الفقيرة والمهمشة تحت لافتة العمل الإنساني والخيري لتجنيدهم واستقطابهم، وجعلوا منهم وقودًا في معركتهم مع الدولة التي أجازوا فيها تكفير مؤسساتها والطعن في عقيدة القائمين عليها بعدما وصفوها بـ"الطاغوتية"، بل وسيطروا على أموال التبرعات والصدقات، التي حللوا الاستيلاء عليها من أجل بناء إمبراطوريتهم المالية والاقتصادية؟

هل يدرك السلفيون والإخوان كم عدد الأمهات التي تقطعت أكبادهن حزنًا على أبنائهن وذويهن الذين قُتلوا غدرًا في معركة التطرف والإرهاب؟ وكم عدد الأرامل اللاتي فقدن عوائلهن؟ أم كم عدد الأبناء الذين يُتموا بسبب قتل آبائهم، لمجرد أنهم دافعوا عن أوطانهم ودينهم بعدما تم الاعتداء على مؤسسات الدولة وشرعنة قتل المدنيين والعسكريين، فضلًا عن شركاء الوطن من أقباط مصر ومسيحييها الذين تعرضوا مرارًا لهجمات مرعبة لسلب أموالهم والتعدي عليهم بحجة أن أموالهم ودماءهم حلال من أجل الدعوة والجماعة؟

ما ذكرناه غيضًا من فيض الانحرافات الفكرية والحركية التي مارسها الإخوان والسلفيون، وتحتاج إلى عشرات الكتب من أجل أن ندون بعضًا منها، وبرروا لها بأيديهم وأيدي أتباعهم على مدار سيرتهم المعاصرة، لعلهم يفقهون ما فعلوه وجنوه على الأمة العربية والإسلامية.

عمرو فاروق*

كاتب وباحث في شؤون الجماعات الأصولية وقضايا الأمن الإقليمي

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء