ذهبت أذهانُ الناس بعد مطالعة العنوان أعلاه إلى شخصٍ واحد.. ربطوا في عقلهم الباطن، بل والظاهر، بين الأسطورة وهيكل؛ واحد يعرفونه.. واحد فقط.. محمد حسنين هيكل ولا غيره!
منذ سنواتٍ وأسأل من يُصادفني وأراه يهاجمه باتهاماتٍ مضحكة: "مزوّر التاريخ" و"كل كتبه كذب"!! وهو سؤالٌ واحد أكرّره في مللٍ وفي متعةٍ في آنٍ واحد: "إيه الكتاب اللي قرأته لهيكل ووجدتَ فيه ذلك؟!" ليس فقط لم أجد ردًّا.. لم أجد أصحاب السؤال أصلًا!!
على كل حال.. لا يوجد صحفيٌّ واحد في العالم، وبالتالي في تاريخ مهنة الصحافة كله، ساعدته الصدف بشكلٍ عجيب في مهنته.. في مهمته.. مثله.. يذهب إلى حرب فلسطين، ويذهب إلى إيران.. هنا يلتقي عبد الناصر، وهناك يمهّد الطريق لمعرفة الخميني وثورته.. يتصل به رئيس تحريره في ليلة ثورة يوليو من الإسكندرية ليطلب منه الذهاب لمعرفة حقيقة تحرّك ضباط الجيش ضد القيادة، فيبلغه أنه مع الضباط الذين تحرّكوا في قلب مقرّ القيادة!!!
يعرف كل حكام العالم.. صديقٌ لأغلب وزراء خارجية دول العالم.. ذهب مع خروتشوف إلى بيته في جزيرة القرم.. ثم يتحدث عن قضية القرم في عهد بوتين بعد ستين عامًا من الزيارة!! يطلب القذافي زيارته لليبيا بعد وصوله للسلطة، ويطلب لقاؤه حافظ الأسد في مرضهوهو يزور دمشق لنصف ساعة، فيستمر اللقاء رغم مرضه ست ساعات!! لم يترك وثيقةً أو مستندًا أو صورةَ مستندٍ يخدم أفكاره أو قضاياه أو معلوماته أو كتاباته إلا واحتفظ بها.. ونشر أغلب ذلك في كل كتبه التي تعجّ في آخرها بالوثائق. وكل من اختلف معهم وهاجمهم، اختلف معهم وهاجمهم في حياتهم!!
هو نفسه أكّد مرارًا، مرارًا، أنه لا يكتب تاريخًا.. إنما يكتب سياسة.. إنما خصومه وكارهيه عقولهم أقل بكثير من فهم الفرق بين التاريخ والسياسة!!
وفوق كل ما سبق وقبله.. هو صاحب أجمل وأرشق جمل وعبارات وصياغات الكتابة الصحفية.. وهو من كتب خطاب التنحي، كما كتب خطاب الانتهاء من بناء السد العالي، كما كتب خطاب العبور العظيم!! ويبقى أروع ما كتب مقدمةَ الكتاب الذي حرّره أكبرُ كتاب مصر في ذكرى الراحل العظيم أحمد بهاء الدين.. قطعة أدبية ينبغي تدريسها في معاهد الصحافة!!
رحم الله هيكل. ليت من يتبجّحون بالتطاول عليه القراءةَ له أولًا.. ثم القراءةَ له ثانيًا.. ثم القراءةَ عن خصومه ثالثًا.. ثم تحقيقًا واحدًا على عشرة آلاف مما حقّق.. ثم يحقّ لهم، لحظتئذٍ.. الكلام!