لؤي نصرت لـ«إيجبتك»: البحث العلمي في قلب قضايا المياه والطاقة والزراعة
الاستعداد للفصل الدراسي الثاني وضمان انتظام العملية التعليمية
البحث العلمي في قلب قضايا المياه والطاقة والزراعة
التحول الرقمي يكسر العزلة الجغرافية لجامعات الجنوب
المستشفيات الجامعية ركيزة لخدمة أهالي أسوان ومحافظات الجنوب
دعم طلاب المناطق الحدودية وتحقيق العدالة التعليمية
الدراسات العليا والشراكات الدولية نحو تصنيف عالمي أفضل
الجامعة والمجتمع.. من التعليم إلى التنمية المستدامة
في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها قطاع التعليم العالي في مصر، لم تعد الجامعات الإقليمية مجرد مؤسسات تعليمية تقدم خدمة محلية، بل أصبحت فاعلًا رئيسيًا في معادلة التنمية الشاملة، خاصة في المناطق الحدودية والبعيدة عن المركز.
تأتي جامعة أسوان في مقدمة هذه النماذج التي استطاعت أن تفرض حضورها على الخريطة الأكاديمية والبحثية، مستندة إلى خصوصية موقعها الجغرافي وارتباطها المباشر بقضايا البيئة والطاقة والمياه والزراعة في جنوب مصر.
الجامعة، التي تمثل نافذة علمية لأبناء الصعيد والمناطق الحدودية، تبنت رؤية تقوم على ربط التعليم بالاحتياجات الحقيقية للمجتمع، وتحويل البحث العلمي من أوراق أكاديمية إلى حلول عملية تمس حياة المواطن اليومية.
وفي وقت تتجه فيه الدولة إلى دعم مفاهيم الاستدامة والعدالة التعليمية والتحول الرقمي، تسعى جامعة أسوان إلى ترجمة هذه التوجهات داخل قاعات الدراسة والمعامل والمستشفيات الجامعية.
في هذا الحوار الخاص لموقع “إيجبتك” يفتح الدكتور لؤي سعد الدين نصرت، القائم بأعمال رئيس جامعة أسوان ملفات متعددة تتعلق بالاستعداد للفصل الدراسي الثاني، وتطوير العملية التعليمية، وأولويات البحث العلمي، ودعم طلاب المناطق النائية، إلى جانب دور الجامعة في خدمة المجتمع وتعزيز الشراكات الدولية.

في البداية.. كيف استعدت جامعة أسوان لاستقبال الفصل الدراسي الثاني؟ وما أبرز ملامح خطة الفترة المقبلة؟
انتهت الجامعة من مراجعة الجداول الدراسية والامتحانية في جميع الكليات، والتأكد من جاهزية القاعات والمدرجات والمعامل، إلى جانب رفع كفاءة البنية التحتية داخل الحرم الجامعي والمدن الجامعية. حرصنا كذلك على التأكد من توافر أعضاء هيئة التدريس وانتظامهم منذ اليوم الأول، مع الالتزام الكامل بالخريطة الزمنية المعتمدة من المجلس الأعلى للجامعات.
الخطة التعليمية لا تقتصر على انتظام المحاضرات فقط، بل تشمل تفعيل الأنشطة الطلابية والبحثية والثقافية والرياضية، لأننا نؤمن أن الجامعة ليست مكانًا لتلقي المعرفة فقط، بل بيئة متكاملة لبناء شخصية الطالب. كما تم تطوير عدد من المعامل وربط المقررات الدراسية بالتطبيقات العملية، حتى يكتسب الطالب مهارات سوق العمل وليس مجرد المعرفة النظرية.
ونركز خلال الفصل الدراسي الثاني على تقليل الكثافات داخل المعامل وتوسيع ساعات العمل بها، وتوفير الدعم الأكاديمي للطلاب المتعثرين، إلى جانب تطوير منظومة الإرشاد الأكاديمي لضمان متابعة مستواهم العلمي بشكل مستمر.
تحقق الجامعة تقدمًا في تصنيفات التنمية المستدامة.. كيف تنعكس هذه التصنيفات على المجتمع فعليًا؟
نحن لا ننظر للتصنيفات الدولية باعتبارها شهادة تقدير فقط، بل مسؤولية تفرض علينا دورًا أكبر في خدمة المجتمع. أي مركز تحققه الجامعة يجب أن يترجم إلى نتائج ملموسة يشعر بها المواطن في حياته اليومية.
لذلك ترتبط معظم مشروعاتنا البحثية بخدمة البيئة المحلية، فنحن نعمل على مشروعات إدارة الموارد المائية، وتحسين نظم الري، واستخدام الطاقة النظيفة في القرى، إضافة إلى مبادرات صحية وتوعوية في المناطق الأكثر احتياجًا.
الجامعة تسعى إلى أن تكون بيت خبرة للمحافظة، بحيث تلجأ إلينا المؤسسات التنفيذية في قضايا البيئة والمياه والزراعة والطاقة، وهو ما يحقق مفهوم الجامعة المنتجة التي تشارك في التنمية وليس فقط التعليم.
ما أولويات البحث العلمي لديكم في ملفات المياه والطاقة والزراعة؟ وكيف ترتبط بخطط الدولة؟
هذه الملفات تمثل قلب التحديات في جنوب مصر، لذلك وضعناها على رأس أولوياتنا البحثية. في ملف المياه نركز على تحلية المياه وإعادة استخدامها وتقنيات ترشيد الاستهلاك، لأن الحفاظ على الموارد المائية قضية استراتيجية.
أما في الطاقة فنستفيد من الموقع الجغرافي المتميز لأسوان الذي يعد من أعلى مناطق العالم في الإشعاع الشمسي، ونطور أبحاث الطاقة الشمسية وتطبيقاتها في المنازل والمشروعات الزراعية والصناعية.
وفي الزراعة نعمل على إنتاج سلالات نباتية تتحمل درجات الحرارة المرتفعة والجفاف وتستهلك مياهًا أقل، بما يدعم الأمن الغذائي ويتماشى مع توجه الدولة نحو الزراعة الذكية والمستدامة.
كما نشجع الأبحاث التطبيقية المشتركة بين الكليات المختلفة، مثل التعاون بين الهندسة والزراعة والعلوم والطب البيطري، لأن التحديات الحديثة تحتاج إلى حلول متعددة التخصصات.

البعد الجغرافي لأسوان كان دائمًا محل نقاش.. كيف تحول من تحدٍ إلى فرصة؟
بالفعل كان البعد الجغرافي يمثل تحديًا في الماضي، لكنه لم يعد عائقًا حقيقيًا اليوم بفضل التحول الرقمي والتعليم الهجين. أصبح بإمكان طلابنا حضور محاضرات مشتركة مع جامعات خارج مصر، كما يشارك الباحثون في مؤتمرات دولية دون التقيد بالموقع الجغرافي.
الجامعة انفتحت على العالم من خلال الشراكات الدولية، واستضافة الخبراء، والانضمام إلى الشبكات البحثية العالمية. بل يمكن القول إن موقع أسوان أصبح ميزة بحثية في مجالات البيئة والطاقة والمناخ، حيث يجذب الباحثين لدراسة المناطق الحارة والجافة.
كيف تطورون منظومة الدراسات العليا وربطها بقضايا التنمية؟
بدأنا تحديث لوائح الدراسات العليا وربط موضوعات الرسائل العلمية بقضايا المجتمع الفعلية، مثل المياه والطاقة والزراعة والصحة والبيئة. لم نعد نشجع الأبحاث النظرية البحتة التي لا تقدم حلولًا عملية.
كما نعمل على رفع جودة الإشراف العلمي وتشجيع النشر الدولي المشترك مع جامعات أجنبية، لأن الدراسات العليا هي العمود الفقري للبحث العلمي، وأي جامعة تسعى لمكانة دولية يجب أن تبدأ من جودة رسائل الماجستير والدكتوراه.
ونحرص على دعم الباحثين ماليًا وتوفير المعامل والأجهزة اللازمة، إضافة إلى تدريبهم على مهارات الكتابة العلمية والنشر الدولي.
إلى أي مدى وصل التحول الرقمي داخل الجامعة؟ وهل غيّر شكل العملية التعليمية؟
التحول الرقمي أصبح جزءًا أساسيًا من منظومة العمل داخل الجامعة. قمنا برقمنة معظم الخدمات الطلابية، من التسجيل وحتى إعلان النتائج، إضافة إلى تطوير نظم الامتحانات الإلكترونية في عدد كبير من الكليات.
كما تم تفعيل التعليم الهجين والمنصات التعليمية الإلكترونية، وهو ما ساعد في تجاوز مشكلة البعد الجغرافي، وسهل التواصل بين الطالب وعضو هيئة التدريس.
التحول الرقمي لا يهدف فقط إلى السرعة، بل إلى الشفافية وتقليل الأخطاء الإدارية وتحسين جودة العملية التعليمية، ونحن مستمرون في تطوير هذا الملف ليشمل جميع القطاعات.
ماذا عن المستشفيات الجامعية وخطط تطويرها ودورها في خدمة أهالي الجنوب؟
المستشفيات الجامعية تمثل ركيزة أساسية لدور الجامعة المجتمعي، لأنها تقدم خدمة علاجية وتعليمية في الوقت نفسه. نعمل على تطويرها باستمرار من حيث البنية التحتية وتحديث الأجهزة الطبية وإضافة تخصصات جديدة.
وقد أوشكت الجامعة على الانتهاء من مستشفى العظام الجديد، وسيتم افتتاحه قريبًا ليقدم خدمة طبية متقدمة لأهالي أسوان ومحافظات الجنوب، ويخفف الضغط عن المستشفيات المركزية.
كما تم تطوير أقسام الطوارئ والعناية المركزة والأقسام التشخيصية، مع تدريب طلاب كليات الطب والتمريض وفق المعايير الدولية، بما يسهم في رفع كفاءة المنظومة الصحية بالمنطقة.

كيف تدعم الجامعة طلاب المناطق النائية والحدودية وتحقق العدالة التعليمية؟
نضع طلاب المناطق النائية في مقدمة اهتماماتنا، خاصة طلاب حلايب وشلاتين وأبو رماد. نوفر لهم إقامة كاملة داخل المدن الجامعية بالمجان، إضافة إلى الرعاية الاجتماعية والتأهيل الأكاديمي.
نحن نؤمن أن التعليم الجامعي يجب أن يكون أداة للعدالة الاجتماعية وليس عبئًا اقتصاديًا، لذلك نحاول إزالة كل العقبات أمام أبناء الجنوب، لأنهم جزء أصيل من قوة المجتمع ومستقبله.
كما نقدم برامج دعم أكاديمي للطلاب القادمين من مدارس ضعيفة الإمكانات حتى نضمن تكافؤ الفرص بينهم وبين باقي الطلاب.
ماذا عن الشراكات الدولية وكيف يستفيد منها الطلاب والباحثون؟
لدينا اتفاقيات تعاون مع جامعات ومراكز بحثية دولية تشمل تبادل الطلاب وأعضاء هيئة التدريس وتنفيذ مشروعات بحثية مشتركة. هذه الشراكات تمنح طلابنا فرصة الاحتكاك بثقافات علمية مختلفة واكتساب خبرات عالمية.
كما تساعد الباحثين على النشر الدولي والعمل ضمن فرق بحثية متعددة الجنسيات، وهو ما يرفع تصنيف الجامعة ويعزز جودة البحث العلمي.
كيف تحفزون الباحثين الشباب داخل الجامعة؟
نعتبر الباحثين الشباب ثروة حقيقية، لذلك نوفر لهم دعمًا مباشرًا من خلال تمويل الأبحاث وتشجيع المشاركة في المؤتمرات الدولية وتقديم حوافز للنشر العلمي المتميز.
كما نعمل على إنشاء فرق بحثية يقودها الشباب تحت إشراف أساتذة متخصصين، لأن الاستثمار في الباحث الشاب هو استثمار في مستقبل الجامعة والوطن.
ما دور الجامعة في خدمة المجتمع المحلي خارج أسوار الحرم الجامعي؟
الجامعة ليست مؤسسة تعليمية فقط، بل شريك تنموي للمجتمع. ننظم قوافل طبية وبيطرية وزراعية وبيئية بشكل دوري في القرى، ونقدم استشارات هندسية وفنية للمؤسسات المحلية.
كما نشارك في مبادرات محو الأمية والتوعية الصحية والبيئية، ونساعد صغار المزارعين على تطبيق أساليب الزراعة الحديثة. هدفنا أن يشعر المواطن أن الجامعة موجودة لخدمته وليس فقط لتعليم أبنائه.
في ختام الحوار.. ماذا تقول لطلاب جامعة أسوان مع بداية الفصل الدراسي الثاني؟
أقول لهم إنهم في قلب اهتمامنا، ونعمل على توفير بيئة تعليمية مستقرة ومعامل مطورة وخدمات أفضل. الفصل الدراسي الثاني سيكون أكثر تنظيمًا، وسنقدم كل الدعم لمسيرتهم التعليمية.
نثق في قدراتهم ونراهن عليهم في بناء المستقبل، فهم أبناء اليوم وقادة الغد، ونجاحهم هو النجاح الحقيقي للجامعة والوطن.
تعكس رؤية جامعة أسوان نموذجًا متكاملًا للجامعة الحديثة التي لم تعد تقف عند حدود التدريس التقليدي، بل أصبحت شريكًا مباشرًا في التنمية المحلية وصناعة المستقبل. فربط البحث العلمي بقضايا البيئة والطاقة والمياه، وتطوير المستشفيات الجامعية، ودعم أبناء المناطق النائية، كلها محاور تؤكد أن دور الجامعة تجاوز أسوار الحرم الجامعي ليصل إلى حياة المواطن اليومية.
كما أن التوسع في التحول الرقمي والشراكات الدولية يعزز قدرة الجامعة على المنافسة إقليميًا ودوليًا، ويمنح طلابها فرصًا تعليمية متقدمة دون أن يضطروا لمغادرة بيئتهم. وهو ما يعكس فلسفة تعليمية تقوم على إتاحة المعرفة للجميع وتحقيق العدالة التعليمية جنبًا إلى جنب مع الجودة الأكاديمية.
وفي النهاية، يبقى الرهان الحقيقي على الطلاب أنفسهم، باعتبارهم الثمرة الأساسية لأي تطوير جامعي، حيث تسعى الجامعة إلى إعداد خريج قادر على العمل والإبداع وخدمة مجتمعه. ومن هنا تبدو جامعة أسوان نموذجًا لجامعة تنطلق من خصوصية المكان لتصنع تأثيرًا يتجاوز حدود الجغرافيا نحو مستقبل أكثر استدامة وتنمية.