مناقشات حول دور الذكاء الاصطناعي في خدمة التراث بندوة دار الكتب
شهدت قاعة "علي باشا مبارك" بدار الكتب والوثائق القومية، برئاسة الدكتور أسامة طلع، ندوة علمية نظمها مركز تحقيق التراث، التابع للإدارة المركزية للمراكز العلمية برئاسة دكتور أشرف قادوس، استعرضت بعمق التقاطع بين التكنولوجيا الحديثة والعلوم التراثية، بمشاركة نخبة من كبار الأكاديميين والمتخصصين.
فعاليت الندوة
واستهل الدكتور علي عبد الباسط، حديثه بالإشادة بالطفرة البرمجية التي أحدثتها الموسوعات الإلكترونية، موضحاً أنها ألغت عامل الوقت من خلال قدرتها على ترتيب مئات الآلاف من الأحاديث بضغطة زر واحدة وفق المسانيد أو الموضوعات، وأشار إلى "الموسوعة الذهبية" التي تضم 600 مجلد و150 ألف ترجمة للرواة كنموذج لهذا التيسير.
وضع الدكتور علي عبد الباسط "خطاً فاصلاً" بين قدرة الآلة وملكة الباحث، مؤكداً أن الحاسوب لا يمكنه استنباط "خلاصة حال الراوي" بدقة، لأنها عملية ذهنية تعتمد على الخبرة والنظر في النصوص، كما حذر من الركون الكامل للمكتبات الرقمية مثل "الشاملة" لاحتمالية احتوائها على أخطاء برمجية قد تكون "قاتلة" للنص النبوي.
من جانبها، أكدت الدكتورة إجلال علي إبراهيم (باحث أول بمركز تحقيق التراث ومديرة الندوة) على أن الواقع الرقمي الجديد يفرض تحديات منهجية جسيمة. وشددت على أن التكنولوجيا "خادم جيد للباحث" لكنها لا تمنحه الملكة العلمية التي تُكتسب بالممارسة، ونبهت الباحثين الشباب إلى ضرورة الحذر من أخطاء التصنيف في الموسوعات الكبرى، داعيةً إياهم لاستخدام الأدوات الرقمية كوسائل مساعدة مع ضرورة العودة الدائمة للأصول المطبوعة والمحققة لضمان دقة البحث.
وفي كلمة مثلت الجانب المؤسسي، أكد الدكتور أشرف قادوس (رئيس الإدارة المركزية للمراكز العلمية) أن هذه التقنيات لم تعد ترفاً بل ضرورة ملحة لضبط كم المعلومات الهائل وتيسيره، وأوضح أن دور الإدارة المركزية يتمثل في دعم المبادرات التي تسعى لتنقية البحث العلمي من الأخطاء الرقمية، مؤكداً على أن هدف المراكز العلمية هو ضمان وصول المعلومة "المحققة" ليد الباحثين بأيسر وأدق السبل الممكنة.
في كلمة جامعة، استعرض الدكتور عرفة حلمي عباس (أستاذ مساعد اللغة العربية بكلية الآداب جامعة القاهرة) أهمية الذكاء الاصطناعي كمنجز تكنولوجي استثنائي، مشيراً إلى أن ما كان الباحثون يقضون سنوات في تحصيله، أصبح متاحاً الآن في "فيمتو ثانية"، وأكد أن استثمار هذا المنتج يوفر الوقت والجهد في استقصاء المصادر بجميع اللغات وتجاوز حواجز اللغة عبر الترجمة الآلية الفورية.
اختتمت الندوة بتوصية جوهرية: الذكاء الاصطناعي أداة يحكمها "المؤدي"، ولا بد من إعداد باحث مثقف ثقافة عميقة يستطيع التمييز بين الغث والسمين، والراجح والمرجوح، ليكون الذكاء الاصطناعي جسراً للارتقاء بالتراث لا معولاً لهدم دقة نصوصه، كما أوصت بضرورة دمج "عقل الباحث" المستنير مع "الزر البرمجي" الحديث، لضمان صون التراث العربي من أي تشويه قد ينتج عن الاستخدام الآلي غير الواعي للتقنيات الحديثة.