خبير: مناقشة الموازنة العامة مبكرا تحرك استباقي يعزز الحماية الاجتماعية
قال الدكتور علاء علي، الخبير الاقتصادي، إن الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء، عقد اجتماعًا مهمًا لاستعراض التقديرات الأولية لمشروع موازنة العام المالي 2026–2027، في إطار بدء التنسيق المبكر مع الوزارات المعنية لوضع التصور المبدئي للموازنة الجديدة، وهذه الخطوة تهدف إلى خلق حيز مالي موجه لتعزيز جهود الحماية الاجتماعية والتنمية البشرية وتحسين مستويات المعيشة، مشيرًا إلى أن مناقشة الموازنة قبل بدء العام المالي بعدة أشهر تعكس رؤية استباقية من الحكومة للتعامل مع التحديات الاقتصادية المقبلة، خاصة في ظل المتغيرات العالمية والإقليمية، بما يسمح بتوجيه الموارد بشكل أكثر كفاءة للفئات الأولى بالرعاية.
الموازنة من منظور المواطن البسيط
وأضاف علي، خلال لقاء على شاشة القناة الأولى، أن الحديث عن الموازنة العامة غالبًا ما يبدو معقدًا بالنسبة للمواطن، الذي يركز اهتمامه على تأثيرها المباشر في الأسعار والضرائب ومستوى المعيشة، إلا أن الربط بين مناقشة الموازنة وإقرار حزمة حماية اجتماعية استثنائية بقيمة تتجاوز 40 مليار جنيه يثير تساؤلات مشروعة حول العلاقة بين السياسة المالية والدعم الاجتماعي، مؤكدًا أن الموازنة في أبسط تعريفاتها هي معادلة بين الإيرادات والمصروفات، مشيرًا إلى أن الدولة المصرية مرت خلال السنوات الماضية بسياسات مالية تشددية، خاصة منذ عام 2016، كان لها تأثير مباشر على معدلات التضخم والأسعار، في إطار تنفيذ برنامج إصلاح اقتصادي واسع النطاق.
واعتبر الخبير الاقتصادي، أن موازنة 2026–2027 تمثل موازنة انتقالية بامتياز، تنقل الاقتصاد المصري من مرحلة التشدد المالي إلى مرحلة جني ثمار الإصلاح الاقتصادي، حيث أن الدولة بدأت بالفعل في معالجة اختلالات كبرى، مثل أزمة سعر الصرف، وارتفاع أسعار الفائدة، وعجز الموازنة، وهو ما يتيح حاليًا مساحة أكبر للتحرك الاجتماعي، كما أن مناقشة الموازنة في هذا التوقيت المبكر تمنح الحكومة رؤية أوضح حول أولويات المرحلة المقبلة، وعلى رأسها البعد الاجتماعي والتنمية البشرية، بما يضمن التوازن بين الاستقرار المالي وتحسين حياة المواطنين.
معادلة التوازن الصعبة
وأشار إلى أن الحكومة تستهدف تحقيق معدلات نمو اقتصادي مستدامة، بالتوازي مع خفض نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي، والتي تسعى الدولة إلى تقليصها من مستويات تتراوح بين 83 و85% إلى السبعينات خلال الفترة من 2025 إلى 2030، موضحًا أن تحقيق هذه الأهداف يتطلب الاستمرار في تحقيق فائض أولي يتراوح بين 6 و7%، مؤكدًا أن هذه الأرقام ليست طموحات نظرية، بل تستند إلى مؤشرات واقعية، خاصة مع تجاوز مصر لتوقعات مؤسسات دولية بشأن معدلات النمو خلال السنوات الأخيرة.
وأكد أن الفائض الأولي، وهو الفرق بين الإيرادات والمصروفات قبل سداد فوائد الديون، يمثل أداة أساسية لخفض الدين العام بشكل تدريجي، ولفت إلى أن تحقيق فائض أولي يعني قدرة الدولة على سداد جزء من التزاماتها دون اللجوء لمزيد من الاقتراض، بما يعزز الاستدامة المالية على المدى المتوسط والطويل، وهذا الفائض هو ما يسمح بتوجيه موارد إضافية لبرامج الدعم والحماية الاجتماعية، كما حدث خلال السنوات الماضية، حيث شهدت مخصصات الدعم زيادات ملحوظة، سواء في دعم الخبز أو الطاقة أو برامج الدعم النقدي المباشر.
التحول نحو الدعم النقدي المباشر
وأوضح علاء علي، أن من أبرز ملامح المرحلة الحالية هو التوسع في الدعم النقدي المباشر، الذي يصل إلى مستحقيه دون تسرب، مقارنة بالدعم العيني أو السلعي الذي يستفيد منه أحيانًا غير المستحقين، وهذا التوجه يعكس كفاءة أكبر في إدارة الموارد العامة، مؤكدًا أن الحزمة الاجتماعية الأخيرة ليست سوى جزء من منظومة دعم أوسع، تشمل مخصصات ضخمة لدعم الخبز والطاقة، بما يعكس التزام الدولة بحماية الفئات الأكثر احتياجًا في ظل الضغوط الاقتصادية.
ولفت الخبير الاقتصادي إلى أن مفهوم الحيز المالي يعني قدرة الدولة على زيادة الإنفاق الاجتماعي دون الإضرار بالاستقرار المالي، وهو ما يتحقق من خلال زيادة الإيرادات وتحسين كفاءة الإنفاق، موضحًا أن هذا الحيز يأتي نتيجة تحقيق فائض أولي، وتوسيع القاعدة الضريبية، وتحفيز النشاط الاقتصادي، حيث أن الحكومة تعمل على جذب استثمارات القطاع الخاص باعتباره شريكًا أساسيًا في التنمية، حيث تؤدي التوسعات الاستثمارية إلى زيادة الإنتاج، وخلق فرص عمل، ورفع الأجور، بما ينعكس إيجابًا على مستويات المعيشة.
الإنتاج هو الحل طويل الأمد
واختتم الخبير الاقتصادي بالتأكيد على أن الحل الجذري لتخفيف الأعباء عن المواطنين لا يكمن فقط في زيادة الدعم، بل في رفع معدلات الإنتاج، وخلق فرص عمل، وزيادة الأجور، مشيرًا إلى أن انخفاض معدلات البطالة إلى نحو 6.5% مقارنة بـ14% قبل سنوات يعكس تقدمًا مهمًا، لكنه يتطلب استكمال المسار، كما أن زيادة الإنتاج تعني زيادة الصادرات، وتحسن الموارد الدولارية، واستقرار سعر العملة، وهو ما يشكل الأساس الحقيقي لأي استقرار اقتصادي واجتماعي مستدام في المرحلة المقبلة.

