أزمة التكتلات الإفريقية.. قراءة في عدم الاندماج
استضافت العاصمة الإثيوبية أديس أبابا القمة الـ39 لرؤساء دول وحكومات الاتحاد الأفريقي في 14 فبراير الماضي، وخلال تلك القمةنوقشت العديد من القضايا الأفريقية المشتركة، ومن أبرزها مشكلة التكامل الاقتصادي الأفريقي والأزمات التي تواجه عملية التكاملالاقتصادي، خاصة على مستوى التكتلات الإقليمية.
تعد التكتلات الإقليمية الأفريقية ضرورة سياسية للدول الأفريقية، خاصة في ظل معاناة تلك الدول من هشاشة سياسية وأمنية واقتصادية،الأمر الذي يدفعها إلى التكتل مع بعضها البعض من أجل الاستفادة من الموارد والإمكانات المتاحة لتعزيز قدرتها على مواجهة الصعوباتوالتحديات المحلية.

على سبيل المثال، دفع الوضع المتردي في الصومال على مدار العقود الماضية إلى اتجاه مقديشيو لتعزيز قواها الداخلية عبر الانخراط فيتجمع دول شرق أفريقيا، من أجل الاستفادة من قدرات دول شرق أفريقيا في تعزيز أمنها السياسي والاقتصادي والاجتماعي.
وفي إقليم الجنوب الأفريقي يبرز تكتل السادك «الجماعة الإنمائية للجنوب الأفريقي»، الذي نجح إلى حد ما في توفير الدعم للدولالأعضاء به، حتى بات إقليم الجنوب الأفريقي من أكثر الأقاليم الأفريقية استقرارًا من الناحية السياسية والاقتصادية. كما كان له دور فعالفي المواجهة السريعة لتمدد تنظيم داعش في إقليم كابو ديلجادو في موزمبيق، فلم يستطع التنظيم الانتشار وبناء حواضن شعبية له علىغرار ما حدث في الصومال ونيجيريا ودول الساحل.
وإذا انتقلنا إلى دول غرب أفريقيا نجد أن وضع التكتلات الإقليمية في حالة مزرية؛ فدول مثل بوركينافاسو ومالي والنيجر سبق أن أعلنتانسحابها من تكتل الجماعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا «الإيكواس» وتشكيل تكتل خاص بها أُطلق عليه «تكتل دول الساحل».
ساهم انشقاق تكتل الإيكواس في تردي الأوضاع الأمنية والسياسية في دول غرب أفريقيا، حيث أدى انعدام التنسيق الأمني والسياسيبين دول المنطقة إلى توسع وانتشار الجماعات الإرهابية.

منطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية
خلال رئاستها للاتحاد الأفريقي عام 2019، سعت مصر إلى تعزيز الجهود التكاملية الإقليمية الأفريقية وتوحيدها على المستوى القاري،حيث تمت الموافقة على إنشاء منطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية عبر تعزيز الروابط بين التكتلات الثمانية الأفريقية، وهي: اتحاد المغربالعربي، والسوق المشتركة لشرق وجنوب أفريقيا «الكوميسا»، وجماعة دول الساحل والصحراء (سيسناد)، وجماعة شرق أفريقيا (إياك)،والجماعة الاقتصادية لدول وسط أفريقيا (إيكا)، والجماعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا (الإيكواس)، والهيئة الحكومية الدولية المعنيةبالتنمية (إيجاد)، وأخيرًا الجماعة الإنمائية للجنوب الأفريقي (سادك).
عقبات التكامل الأفريقي
في تقرير صادر عن البنك الدولي أُشير إلى أهمية تعزيز التكتلات الإقليمية من أجل تحقيق التنمية، لما تمثله تلك التكتلات من عمليات تذليلكبرى للعديد من العقبات طويلة الأجل أمام التنمية، مثل نقص البنية التحتية وأنظمة الدفع والتسوية، وأخيرًا المخاطر السياسية.
ورغم أهمية التكتلات الإقليمية في تعزيز التنمية الداخلية للدول الأعضاء، مثلما هو الحال في تكتل الآسيان، فإن الوضع في أفريقيا مختلفتمامًا؛ فلا تزال التكتلات الإقليمية الأفريقية تصارع الفشل والعقبات والمتاريس أمام عملها. ومن أبرز تلك العقبات:
أولا: التبعية للاستعمار:
اقتسمت القوى الأوروبية الاستعمارية القارة الأفريقية خلال القرنين التاسع عشر والعشرين، وعقب استقلال الدول الأفريقية لعبت الاتحاداتالاستعمارية السابقة دورًا في تشكيل التكتلات الإقليمية الأفريقية. فعلى سبيل المثال، تُعد السوق المشتركة لشرق وجنوب أفريقيا«الكوميسا» امتدادًا لاتحاد شرق أفريقيا البريطاني، وكذلك يغلب على إقليم السادك «الجماعة الإنمائية للجنوب الأفريقي» التوجهالاستعماري البريطاني لدول الجنوب الأفريقي.

ويعد تكتل الإيكواس هو التكتل الوحيد الذي نجح نسبيًا في التغلب على التوجهات الاستعمارية السابقة، إذ ضم مجموعة من الدول ذاتالخلفية الاستعمارية الفرنسية بجانب دول أخرى ذات خلفية استعمارية بريطانية وبرتغالية وألمانية. ورغم ذلك، لا يزال مستقبل الإيكواسمحفوفًا بالمخاطر، خاصة بعد انسحاب دول بوركينافاسو والنيجر ومالي منه في بداية عام 2024.
كما أن تشابه نمط الإنتاج الاستعماري بين الدول الأعضاء يعزز من فشل عملية التكامل الإقليمي؛ فمعظم الدول الأفريقية متخصصة فيالإنتاج الأولي القائم على استخراج المواد الخام أو زراعة المحاصيل الزراعية وإعادة تصديرها إلى أوروبا، مما يعني أن انعدام وجود قواعدصناعية مهمة في أفريقيا يعزز من فرص هروب المواد الخام إلى أوروبا وحرمان القارة من التكامل الاقتصادي الإقليمي.
ثانيا: النشاط التجاري غير الرسمي
نتيجة عملية التقسيم الهندسي للدول الأفريقية الحديثة وعدم مراعاتها للأبعاد العرقية والإثنية، أنشأ هذا التقسيم دولًا متداخلة إثنيًا وعرقيًاولغويًا، الأمر الذي أدى في النهاية إلى بروز نشاطات اقتصادية عابرة للحدود الأفريقية بطرق غير رسمية، وهو ما أفقد تلك الدول القدرةعلى جلب الموارد اللازمة والاستفادة من تلك الأنشطة. فعلى سبيل المثال، تُعد عرقية الفولاني من أشهر الجماعات الرعوية في غرب أفريقيا،وتتنقل هذه الجماعة بين المراعي في مالي إلى النيجر ثم شمال نيجيريا وبنين، دون أن يكون هناك أي تحكم من قبل أي حكومة مركزية فيغرب أفريقيا.
كما تلعب تلك الجماعات دورًا هامًا في نقل البضائع والتهريب والتعدين غير المشروع، مستفيدة من قدرتها على اختراق حدود الدول بسلاسةشديدة دون أية عوارض أو عوائق تمنعها من العمل.
وفي عام 2023، قدرت اللجنة الاقتصادية للأمم المتحدة لأفريقيا حجم تلك التجارة غير الرسمية العابرة للحدود الأفريقية بنسبة تتراوح مابين 30% إلى 72% من التجارة الرسمية بين الدول المجاورة.
ثالثا: إثقال التكتلات بمهام أكبر منها
في الغالب تقوم التكتلات الإقليمية بدور الميسر والمنسق لعمليات التبادل التجاري بين الدول الأعضاء، وتذليل العقبات الاقتصاديةكالإجراءات الجمركية والتعريفية وغيرها، وأيضًا تنسيق عمليات النشاط الاقتصادي لكل دولة. إلا أن الوضع في أفريقيا مختلف للغاية عنبقية العالم؛ فالتكتلات الأفريقية حاليًا مثقلة بالأزمات الإنسانية والأمنية في الدول الأعضاء. فمثلًا، تكتل الإيكواس منشغل حاليًا بالانقلاباتالعسكرية في دول الساحل فضلًا عن انشغاله بمواجهة الجماعات الإرهابية، وتكتل الإيجاد منشغل بالقضايا الإقليمية الكبرى مثل الحربفي السودان والصومال، في حين تراجعت مهامه الاقتصادية.
ومؤخرًا أيضًا انشغلت الجماعة الإنمائية للجنوب الأفريقي «السادك» بالأزمة الأمنية في إقليم كابو ديلجادو في موزمبيق، أي إنه تم تحميلوظائف أمنية وسياسية إلى عمل تلك التكتلات، مما أبعدها عن وظيفتها الأساسية المتمثلة في تحقيق التكامل الاقتصادي بين الدولالأعضاء.

رابعا: فوضى التكامل الأفريقي
رغم وجاهة الدعوة التي أطلقت في عام 2019 لإنشاء منطقة تجارة حرة أفريقية، فإنها في الوقت نفسه حملت عنوانًا كبيرًا لفوضىالتجمعات الإقليمية الأفريقية. ففي أفريقيا ثمانية تجمعات اقتصادية رئيسية بينها العديد من التداخلات الإقليمية؛ فمثلًا تنزانيا وجمهوريةالكونغو الديمقراطية تجمعان بين عضوية مجموعة شرق أفريقيا «إياك» ومجموعة السادك.
كما تجمع إريتريا والسودان بين عضوية الكوميسا والإيجاد، وأيضًا تجمع إقليمي محدود الأثر يُدعى «مجموعة دول وسط وجنوب أفريقيا» (CEN-SAD). وفي غرب أفريقيا يوجد تنظيمان إقليميان يضمان العديد من دول غرب أفريقيا دون وجود أي تنسيق مشترك بينهما، وهماتكتل الإيكواس وتكتل الاتحاد الاقتصادي والنقدي لغرب أفريقيا (UEMOA). وجدير بالذكر أن بوركينافاسو ومالي والنيجر انسحبوا منتنظيم الإيكواس تحت دعوى مواجهة الاستعمار الفرنسي في غرب أفريقيا، إلا أنهم في الوقت نفسه حافظوا على عضويتهم في تكتل(UEMOA) الذي يدعم النظام النقدي على الطريقة الفرنسية.
ختامًا:
تعد معالجة أزمات التكتلات الأفريقية أمرًا حيويًا في القارة الأفريقية؛ فالدول الأفريقية تفتقر إلى العديد من مقومات الدول الناجحة، ممايستلزم توفير التعاون الإقليمي من أجل شحذ الجهود الأفريقية لتعزيز التنمية المستدامة. وللوصول إلى تلك النقطة ينبغي معالجة السلبياتالتي تراكمت خلال العقود الماضية والمكبلة لعمل تلك التكتلات، مثل إثقالها بالقضايا الأمنية والسياسية، إذ يجب حصر مسائل الأمنوالسياسة في اختصاصات مجلس السلم والأمن الأفريقي التابع للاتحاد الأفريقي، وترك التكتلات الإقليمية للقيام بدورها الرئيسي فيتعزيز التكامل الاقتصادي.