جاء توجيه الرئيس عبد الفتاح السيسي للحكومة باستكمال الاستحقاق الدستوري المتعلق بانتخابات المجالس المحلية ليشكل محطة مفصلية في مسار الإصلاح السياسي والإداري في مصر، ويعكس رؤية استراتيجية واضحة لإعادة بناء منظومة الحكم المحلى على أسس حديثة تواكب تحديات المرحلة وتستجيب لتطلعات المواطنين، وترسيخ دعائم الجمهورية الجديدة والتي لا يمكن أن تكتفى فيها فقط بإصلاحات مركزية بل من خلال تفعيل حقيقي وفعال المستويات الإدارة المحلية، بوصفها الامتداد الطبيعي السلطة الدولة في تفاصيل الحياة اليومية للمواطنين، والحلقة الأقرب لاحتياجاتهم وتطلعاتهم.
إن المجالس المحلية المنتخبة ليست مجرد آلية إجرائية أو استحقاق دستوري مؤجل، بل هي جوهر فكرة اللامركزية الرشيدة التي توازن بين وحدة الدولة وفعالية الإدارة، واللامركزية، في معناها الحديث، لا تعنى تفكيك السلطة، وإنما توزيعها توزيعا وظيفيا يحقق الكفاءة والسرعة في اتخاذ القرار، ويخضع الأداء التنفيذي الرقابة شعبية مباشرة ومن ثم فإن عودة المجالس المحلية تمثل استعادة لواحد من أهم أعمدة البناء المؤسسي حيث تشكل هذه المجالس حلقة الوصل بين المواطن والجهاز التنفيذي، وصوت الشارع داخل أروقة صنع القرار المحلي.
لقد عانت الإدارة المحلية في مصر لعقود من إشكاليات تراكمية، تمثلت في تداخل الاختصاصات، وضعف الموارد، ومحدودية الصلاحيات، الأمر الذي أضعف من قدرتها على أداء دورها التنموي والرقابي لذلك لا ينبغي النظر إلى التوجيه الرئاسي بإجراء الانتخابات بمعزل عن سياق أشمل من الإصلاح التشريعي والتنظيمي، يضمن وضوح الأدوار، وتوازن الصلاحيات، وتوفير الأدوات القانونية والمالية اللازمة لتمكين المجالس من أداء دورها بكفاءة، ذلك لأن المجالس المحلية القوية لا تبنى فقط بصناديق الاقتراع، وإنما أيضا بإطار قانوني متكامل يحمي استقلالها النسبي ويعزز مساءلتها في أن واحد.
وتتضاعف أهمية هذه الخطوة في ظل ما تشهده الدولة من تنفيذ حزمة واسعة من المشروعات القومية وبرامج التنمية الشاملة، وفي مقدمتها مبادرة حياة كريمة التي تستهدف الارتقاء بجودة الحياة في الريف المصري وتحقيق تنمية متكاملة في القرى والمراكز ونجاح مثل هذه المبادرات يتطلب وجود أمر محلية منتخبة قادرة على المتابعة الدقيقة، ورصد أوجه القصور، وضمان وصول عوائد التنمية إلى مستحقيها بشفافية وعدالة، وتمثل الرقابة الشعبية المنظمة عبر المجالس المحلية صمام أمان حقيقي يحول دون إهدار الموارد، ويعزز ثقة المواطنين في جدية الدولة والتزامها بتحقيق العدالة المكانية.
ومن زاوية سياسية أوسع، فإن إجراء انتخابات المجالس المحلية يعكس إيمان القيادة السياسية بأن الاستقرار الحقيقي لا يتحقق إلا بمشاركة مجتمعية واسعة، وأن بناء دولة المؤسسات يقتضي إشراك المواطنين في إدارة شؤونهم، لا الاكتفاء يتلقي الخدمات ، المواطن الذي يشارك في اختيار ممثليه المحليين، ويجد منصة مؤسسية للتعبير عن مطالبه ومراقبة الأداء التنفيذي، يصبح شريكا في المسؤولية، لا مجرد متلق للقرارات وهذه الشراكة هي حجر الزاوية في أي مشروع وطني يسعى إلى ترسيخ دولة القانون والمساءلة.
كما تمثل الانتخابات المحلية المقبلة فرصة استراتيجية لإعداد جيل جديد من القيادات السياسية والإدارية، خاصة من الشباب والمرأة، بما يسهم في تجديد النخب وضخ دماء جديدة في شرايين العمل العام، وتاريخيا كانت المجالس المحلية مدرسة الإعداد الكوادر، ومنصة لاكتساب الخبرة في إدارة الملفات الخدمية والتنموية ومن هناء فإن تفعيلها يفتح المجال أمام طاقات وطنية واعدة للمشاركة الفاعلة في الشأن العام، ويعزز ثقافة العمل المؤسسي والانخراط الإيجابي في الحياة السياسية.
ولا يمكن إغفال البعد التنموي العميق لهذه الخطوة لأن الإدارة المحلية الفعالة تسهم في تحسين كفاءة توزيع الموارد، وتحديد أولويات الاتفاق وفق احتياجات كل منطقة، بدلا من تطبيق سياسات مركزية قد لا تراعي الفوارق الجغرافية والاجتماعية، بالإضافة إلى ذلك فإن تمكين المجالس المحلية من اقتراح خطط الموية واقعية ومتابعة تنفيذها، يضمن توجيه الاستثمارات العامة بصورة أكثر عدالة وكفاءة، ويحد من الفجوات التنموية بين المحافظات والمراكز.
الأحزاب السياسية أيضا عليها دور كبير في إعداد كوادر مؤهلة وقادرة على خوض الانتخابات المحلية برؤية التنموية واضحة وبرامج قابلة للتنفيذ، ولا تكتمل الحياة الحزبية دون حضور فعال على المستوى المحلي، حيث تلامس السياسة احتياجات الناس اليومية، وتتحول الشعارات إلى خطط عمل ملموسة.
ان إجراء انتخابات المجالس المحلية اليوم يمثل رسالة قوية بأن الدولة ماضية في استكمال بنيانها المؤسسي وأن الإصلاح ليس شعارا بل مسارا متدرجا و مدروسا وهي خطوة تعزز الجبهة الداخلية، وتدعم مناعة الدولة في مواجهة التحديات الإقليمية والدولية، عبر توسيع قاعدة المشاركة وترسيخ قيم الشفافية والمساءلة.
إننا أمام لحظة فارقة تستدعي تكاتف الجميع تشريعا وتنفيذا و أحزابا ومجتمعا مدنيا لضمان أن تكون عودة المجالس المحلية عودة حقيقية وفاعلة، لا شكلية فبقدر ما نحسن الإعداد لهذا الاستحقاق و تؤسس له على قواعد قانونية ومؤسسية سليمة، بقدر ما اقترب من تحقيق حلم الدولة الحديثة التي تقوم على المشاركة، والكفاءة وسيادة القانون وفي ذلك تتجسد روح الجمهورية الجديدة التي تضع المواطن في قلب معادلة التنمية، وتجعل من الحكم المحلي ركيزة أساسية في مسيرة البناء الوطني.