لحظة تاريخية فارقة في مسار العلاقات الدولية وتحولات النظام الدولي؛ حيث لم يعد الانفصال بين ضفتي الأطلسي مجرد تكهنات صحفية، بل تحول إلى استراتيجية معلنة في أروقة مؤتمر ميونخ للأمن 2026. في ميونخ، على ما يبدو أن القارة العجوز استيقظت من سباتها العميق الذي غرقت فيه ما بعد 1945، أو هكذا تحاول.
المؤتمر الذي تأسس عام 1963 بهدف تعزيز الحوار بين الولايات المتحدة وأوروبا الغربية خلال الحرب الباردة، شهد خطاباً أوروبياً حاداً، ذو نزعة استقلالية يؤشر لتوجهات أوروبية جديدة تجاه العلاقة مع الولايات المتحدة الأمريكية.
حتى التقرير الرسمي الصادر عن المؤتمر جاء تحت عنوان "تحت التدمير" (Under Destruction)، في إشارة مباشرة إلى أن سياسات الإدارة الأمريكية الحالية تهدم وتدمر القواعد التي قام عليها النظام الدولي وحكمت العالم لأكثر من 80 عاماً.
وعلى ما يبدو أن هجمات الرئيس دونالد ترامب على أوروبا قد وحدت القارة العجوز بطرق حاسمة؛ سلوك ترامب تجاه الوضع في أوكرانيا، من التهديد بالاستيلاء على جرينلاند إلى التشكيك في حلف الناتو، وفرض تعريفات جمركية عقابية، أجبر أوروبا على التفاعل بشكل أوثق بشأن القضايا الرئيسية وتعزيز النزعة الاستقلالية الأوروبية، وهو ما ظهر بوضوح في ميونخ.
المستشار الألماني في كلمته الافتتاحية للمؤتمر أكد على ذلك المعنى بقوله: "إن تسوية وقواعد ما بعد 1945 لم تعد موجودة، وأن الولايات المتحدة ربما فقدت قيادة النظام العالمي". رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين قالت: "يجب أن تصبح أوروبا أكثر استقلالاً – لا يوجد خيار آخر". أما الرئيس الفرنسي ماكرون فقال إن أوروبا يجب أن تصبح "قوة جيوسياسية".
ورئيس الوزراء البريطاني ستارمر قال إن "الوضع الطبيعي الجديد" يتطلب من أوروبا "تحمل المسؤولية الأساسية عن دفاعها وأن تركز على التخفيف من التبعية للولايات المتحدة".
هذه التصريحات وغيرها تعبر عن توجهات استراتيجية لمستقبل العلاقة عبر الأطلسي، وتترجم إحباطاً أوروبياً عميقاً من الولايات المتحدة الأمريكية في عهد الرئيس ترامب، بعد أن سارت أوروبا في ركب وكنف الولايات المتحدة الأمريكية؛ سياسياً، اقتصادياً، وعسكرياً وأمنياً لعقود طويلة ما بعد نهاية الحرب العالمية الثانية.
المسؤولون الأوروبيون يرون أن الرسائل الاستراتيجية التي تبثها واشنطن لم تعد قادرة على إخفاء نهجها تجاه القارة منذ عودة ترامب إلى البيت الأبيض. في المقابل، مسؤولو إدارة ترامب انتهجوا نهجاً دافئاً للغاية، بل وودياً، تجاه الحلفاء الأوروبيين خلال مؤتمر ميونخ للأمن. لكن؛ ورغم محاولاته لتطمين الحلفاء في أوروبا، إلا أن وزير الخارجية مارك روبيو أكد على ذات النهج قائلاً: "إن العالم القديم قد ولى، وأننا بصدد عصر جديد في الجغرافيا السياسية". رسالة واشنطن واضحة لا تقبل المساومة: إما الانضمام إلى حملة دونالد ترامب لإعادة تشكيل العالم لصالح واشنطن، أو الانسحاب على هامش النظام العالمي الجديد.
أوروبا في ميونخ لم تعلن التحرر من التبعية الأمريكية فقط، لكنها أيضاً تعلن الانتقال من محور "ميركرون" إلى محور "ميرزوني" الذي يتميز بالواقعية الخشنة، والسيادة القومية داخل إطار أوروبي. حيث يُعيد تحالف بين قادة ألمانيا وإيطاليا تشكيل أوروبا الجديدة. على مدى عقد تقريباً بعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، دارت أوروبا حول محور أنجيلا ميركل، مستشارة ألمانيا، وإيمانويل ماكرون، رئيس فرنسا، حيث ساهمت قيادتهما المشتركة في توجيه الاتحاد الأوروبي خلال خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وفترة رئاسة دونالد ترامب الأولى، وجائحة كورونا.
ومع محددات وعدد لا يحصى من الأزمات التي تواجه أوروبا، بما في ذلك الحرب الروسية المستمرة في أوكرانيا، وعدم القدرة على التنبؤ بالولايات المتحدة في الوقت الراهن، وتزايد الضغوط المناخية، والتوترات المستمرة بشأن الهجرة، وانهيار أنظمة الحد من التسلح، بدا في هذا الفراغ محور جديد للقيادة يتشكل من كل من ميرز في ألمانيا، وميلوني في إيطاليا.
هذا الانتقال من محور "ميركرون" إلى محور "ميرزوني"، ومع التحول في السياسات الأمريكية، يعكس تحولاً جذرياً في هوية الاتحاد الأوروبي؛ من تكتل اقتصادي يخشى المواجهة، إلى قوة جيوسياسية تسعى لامتلاك أنياب عسكرية وصناعية مستقلة.
رغم ذلك؛ تبقى التساؤلات قائمة: هل ستنجح أوروبا في تحويل هذه "الصحوة الاستقلالية" إلى استدامة هيكلية بعيداً عن الانقسامات الداخلية؟ وهل ستقبل واشنطن بوجود "حليف مستقل" يمتلك قراره العسكري والاقتصادي؟
الأيام القادمة كفيلة بالإجابة، لكن الثابت الوحيد هو أن "القارة العجوز" قد استيقظت بالفعل، وأن قواعد اللعبة التي حكمت العالم لثمانين عاماً قد طُويت صفحتها في ميونخ إلى الأبد.
- # الولايات المتحدة الأمريكية
- # الرئيس دونالد ترامب
- # دونالد ترامب
- # الولايات المتحدة
- # الإدارة الأمريكية
- # جائحة كورونا
- # ماكرون
- # القارة العجوز
- # الاستقلالية
- # العلاقات الدولية
- # الحرب الباردة
- # مؤتمر ميونخ للأمن
- # تعريفات جمركية
- # الولايات المتحدة الأمريكي
- # فرض تعريفات جمركية
- # سياسات الإدارة الأمريكية
- # المسؤولون