في جولة جديدة من المفاوضات النووية الأمريكية الإيرانية، والتي ستعقد يوم الثلاثاء في جنيف بسويسرا بحضور المبعوث الأمريكي ستيف ويتكوف وجاري كوشنر، مع وزير الخارجية الإيراني عباس عراقي، بحضور وزير الخارجية العماني بدر البورسعيدي.
وتأتي هذه الجولة من المفاوضات في الوقت الذي أبدى فيه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تشاؤماً بشأن إمكانية التوصل إلى اتفاق نووي، مصرحاً بأن الإيرانيين لا يملكون الرغبة في تحقيق إنجازات من خلال التفاوض، وذلك على خلفية ما أسفرت عنه الجولة الأخيرة من المباحثات، والتي عقدت في عمان في ٦ فبراير ٢٠٢٦، والتي مثلت أول لقاء دبلوماسي بين الجانبين منذ الضربة الأمريكية/الإسرائيلية على إيران الصيف الماضي.
وقد تواترت الأنباء عن جولة المفاوضات السابقة فيما يتعلق بالملف النووي، حيث طلبت أمريكا تصفير التخصيب النووي، وعرضت إيران مطلبها بتخصيب اليورانيوم، وهو وقود نووي يمكن استخدامه لصنع قنبلة نووية إذا تم تخصيبه عند مستويات عالية، وهو ما ترفضه الولايات المتحدة الأمريكية وحلفاؤها. وقد عرضت إيران وضع ضوابط على برنامجها النووي لضمان عدم استخدامه كسلاح نووي، مطالبة في مقابل ذلك رفع العقوبات المفروضة عليها.
كما ضغطت واشنطن خلال المفاوضات لإدراج برنامج الصواريخ الباليستية ووكلاء إيران الإقليميين في المنطقة مثل حزب الله والحوثيين في أي اتفاق مستقبلي، ورفضت إيران إدراج ذلك في المفاوضات.
وبينما كانت المفاوضات جارية، حشدت الولايات المتحدة قوات عسكرية في المنطقة وفرضت عقوبات جديدة على إيران، كما بدأت في دفع أكبر حاملة طائرات في العالم (جيرالد فورد) ومجموعة السفن المصاحبة لها إلى المنطقة، في حين حذرت إيران من أنها حال تعرضها لأي هجوم فإنها ستستهدف وتهاجم جميع القواعد والسفن والقوات الأمريكية في المنطقة.
وتأتي هنا صفقة المصالح الكبرى، والتي تمثلت في زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى الولايات المتحدة الأمريكية لإجراء مفاوضات مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب حول قيام إسرائيل بتفعيل المرحلة الثانية من اتفاق غزة وبما تشمله، مقابل استثمار التوتر بين أمريكا وإيران باعتباره فرصة لضرب إيران، حتى إن كان ذلك على حساب المصالح الأمريكية وخطة ترامب في غزة أو مصالح دول المنطقة.
في المقابل، تصاعدت المعارضة داخل أمريكا ضد الدخول في حرب يكون من آثارها خسائر بشرية ومالية عسكرية ضخمة، طبقاً لما تم تداوله للدراسة التي تم إعدادها من قبل خبراء أمريكيين، والتي أشارت إلى أن حجم الخسائر خلال العامين السابقين في حروب الشرق الأوسط بما فيها غزة ولبنان والحوثيين وسوريا وإيران قُدِّر بتريليون دولار، واتهمت الدراسة الرئيس الأمريكي ترامب بإهدار أموال طائلة في خدمة إسرائيل وبشكل عشوائي، وهذا يتناقض مع ما كان ينادي به ترامب من شعار (أمريكا أولاً).
كل هذه التطورات تؤكد أن عملية التفاوض بين أمريكا وإيران لن تكون قصيرة، وهو الأمر الذي سيؤدي إلى استمرار القلق والتوتر في المنطقة مع وجود الأسطول الأمريكي أمام السواحل الإيرانية والقوات التي تتواجد في القواعد المختلفة، مما يضعها في مواجهة مباشرة مع الجيش والحرس الثوري الإيراني، كما أن قدرة أمريكا على تحقيق نصر تكتيكي سريع ضد الجيش الإيراني دون وقوع خسائر تبقى محل شك، وهو ما يمثل مخاطرة كبيرة لأمريكا.
ويحذر معظم الخبراء العسكريين من أن الوضع العسكري في الخليج العربي قد يؤدي إلى خلق حوادث للسفن العابرة، وهو ما يتمثل في قيام البحرية الإيرانية باعتراض وتفتيش السفن الأمريكية والأوروبية، وكذا تحليق المسيرات الإيرانية بجوار وبالقرب من حاملة الطائرات والسفن الأمريكية، حيث يمكن لمثل هذه الحوادث أن تشعل حرباً دون صدور قرار مركزي.
ما يتم تداوله من أنباء ليس تصعيداً عسكرياً تقليدياً ولا سباقاً نحو الحرب كما يظن البعض خلال الفترة الحالية، بل هو محاولة من كل طرف للوصول إلى تحقيق الحد الأقصى من المكاسب والمصالح وتجنب الخسائر الكبيرة التي يمكن أن تسببها الحرب، ولكن الحشد العسكري الأمريكي يعزز من فرص الحصول على أكبر المكاسب عن طريق المفاوضات، وهو الأمر الذي فرضه وفضله الرئيس الأمريكي خلال لقائه مع رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو.
وفي الوقت نفسه تأتي التصريحات الإيرانية الحادة بغرض رفع سقف المكاسب عبر التفاوض، فكل من أمريكا وإيران تصعدان من الحشد العسكري والتصريحات النارية المتبادلة للوصول من خلالها إلى مد فترة التفاوض لتستمر حالة اللاسلم واللاحرب، وهنا يكمن الخطر على مجموعة دول الخليج ودول المحيط الإقليمي لما يمثله ذلك الوضع من حالة اضطراب دائمة في المنطقة.
سننتظر إلى ما تسفر عنه جولة المفاوضات الجديدة، والتي يأمل كلا الجانبين أن تؤدي إلى الوصول إلى اتفاق نووي أفضل مما توصلت إليه الإدارة الأمريكية السابقة في عهد أوباما، ويحقق الرئيس الأمريكي ترامب ما يسعى إليه بأنه رجل السلام الذي يستطيع حل الأزمات بالتفاوض، وفي المقابل تتمكن إيران من رفع العقوبات.