استشاري نفسي: السوشيال ميديا خلخلت الهوية وشجعت الوجدان على العنف|فيديو
قال الدكتور وليد هندي، استشاري الصحة النفسية، إن سؤال فقدان الشجاعة أو الشهامة في المجتمع بات مطروحًا بقوة في ظل مشاهد متكررة لغياب التدخل الإنساني والاكتفاء بالتصوير بحثًا عن الترند، مؤكدًا أن وسائل التواصل الاجتماعي لعبت دورًا محوريًا في خلخلة الهوية والقيم، وتحويل بعض السلوكيات السلبية إلى أنماط شائعة، موضحًا أن المواطن المصري عبر عقود سابقة كان أكثر ميلًا للمبادرة والمساعدة، إلا أن تراكمات الفقر والجهل ومشكلات التعليم والصحة في فترات معينة، إلى جانب الصدمات المجتمعية، أثرت على البناء النفسي والسلوكي، وغيرت من ردود الأفعال الطبيعية تجاه الأزمات.
هوس الشهرة وصناعة اللامبالاة
وأضاف هندي، خلال مداخلة هاتفية على فضائية TEN، أن هوس الشهرة والترند، خلق نزعة استعراضية لدى البعض، حيث يُقدّم التصوير على التدخل، ويتحول الألم الإنساني إلى محتوى قابل للمشاهدة، وهذا السلوك أفرز أنماطًا نفسية خطِرة، من بينها شخصيات سادية تستمتع بمشاهدة معاناة الآخرين، معتبرًا أن السوشيال ميديا أسهمت في إضعاف قيم الشهامة والنخوة التي كانت متجذرة في المجتمع، حيث أن المجتمع شهد خلال السنوات الماضية وقائع مؤلمة تُجسّد هذا التحول، حيث يُترك المستغيث دون عون بينما تتجه الكاميرات إليه، وهو ما يُعد مؤشرًا على خلل قيمي عميق يحتاج إلى معالجة جذرية.
وتطرق إلى تأثير التعرض المكثف لمشاهد العنف، خاصة خلال أعوام مضطربة شهدت صدامات ودمارًا واستباحة للمقدسات، موضحًا أن تكرار هذه المشاهد أدى إلى ما يُعرف نفسيًا بفقد القيمة، مبينًا أن الإنسان عندما يعتاد رؤية العنف، يتراجع تفاعله الوجداني تدريجيًا، وتضعف استجابته الإنسانية، وهو ما يفسر البرود تجاه مواقف كان يُفترض أن تستدعي تدخلًا فوريًا، وهذا التبلد الوجداني لا يعني قسوة فطرية، بل نتاج خبرات صادمة متراكمة، ما يستدعي إعادة بناء نفسية واجتماعية شاملة.
إعادة بناء الإنسان
وأوضح الدكتور وليد هندي، أن استعادة الشهامة والشجاعة لا تتحقق بإجراءات منفردة، بل عبر منظومة متكاملة تبدأ بالإعلام المسؤول، مرورًا بدراما بيضاء تُناقش القضايا الحقيقية دون تمجيد للعنف أو تسويق للجريمة، مضيفًا أن الدراما السوداء التي تُكرس العنف وتصنع بطولة زائفة للمجرمين تسهم في تطبيع السلوك العدواني، وتجعل من المعتدي نموذجًا يُحتذى، مشيرًا إلى أهمية تقديم أعمال فنية تُعيد الاعتبار للقيم الإنسانية، وتُبرز نماذج إيجابية، معتبرًا أن الفن أحد أقوى أدوات تشكيل الوجدان الجمعي.
وشدد على دور الإعلام في إعادة صياغة الوعي، عبر خطاب مستمر يرفض العنف ويُعلي من قيمة الإنسان، إلى جانب مناهج تعليمية مُحدّثة تُعزز قبول الآخر والمرونة الذهنية، وتواجه التطرف والسلوك العدواني، مؤكدًا أن التغيير القيمي يحتاج وقتًا وجهدًا وتكاملًا بين المؤسسات، ولا يمكن اختزاله في حملات مؤقتة.
دعم الضحايا نفسيًا ومجتمعيًا
وشدد على ضرورة الدعم النفسي والمجتمعي المتكامل، حيث أن التعافي يبدأ بإعادة تفسير الحدث بوصفه موقف دعم وتعاطف جماعي لا إهانة، مشيرًا إلى أهمية أن تتحرك مؤسسات المجتمع المدني والقوى الفاعلة على الأرض لاحتضان الضحية، وإعادة دمجه إيجابيًا، بما يعيد بناء صورته الذهنية عن نفسه.
وأشاد استشاري الصحة النفسية، بقرار المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام منع تداول محتوى الاعتداءات احترامًا للكرامة الإنسانية، معتبرًا القرار خطوة مهمة تقلل من إعادة إيذاء الضحية نفسيًا، حيث أن سرعة التفاعل التنظيمي مع مثل هذه القضايا تعكس وعيًا مؤسسيًا بدور الإعلام في حماية المجتمع.
نحو خطاب ثقافي بديل
واختتم الدكتور وليد هندي، استشاري الصحة النفسية، بالتأكيد على أن ما جرى يُجسد الحاجة إلى خطاب ثقافي بديل يُقدم القدوة الإيجابية، ويدعم السلوك الإنساني، ويكافح العنف والتطرف، كما شدد على أن بناء الإنسان مشروع طويل الأمد، يبدأ من الوعي وينتهي بسلوك يومي يعيد للمجتمع قيمه الأصيلة من شهامة ونخوة ومسؤولية.

