في الوقت الذي تحبس فيه المنطقة أنفاسها بانتظار المرحلة الثانية من خطة "السلام الأمريكي" في قطاع غزة، وتشرئب الأعناق لمتابعة إعادة تشغيل معبر رفح وبدء عمل "اللجنة الوطنية لإدارة غزة"، تنفجر في الضفة الغربية أزمة صامتة لكنها وجودية.
نحن اليوم في فبراير 2026، أمام مشهد سياسي يتم فيه استخدام قطاع غزة "كستار دخاني" وقاعدة للتمويه، بينما تجري في تلال القدس والخليل ونابلس أضخم عملية إعادة هندسة جغرافية وقانونية عرفها الصراع منذ عقود. إن ما يقدمه بنيامين نتنياهو وائتلافه اليميني المتطرف ليس مجرد تصعيد أمني تقليدي، بل هو محاولة "حسم صراع" تاريخي، تهدف إلى دفن خيار الدولة الفلسطينية للأبد وتحدي القوى الدولية والإقليمية بفرض واقع جديد لا يقبل القسمة على اثنين.
وتشهد الضفة الغربية منذ مطلع هذا العام عملية "جراحية" كبرى يقودها نتنياهو بعيدًا عن ضجيج الطائرات في غزة، حيث انتقلت السياسة الإسرائيلية من مرحلة "إدارة الصراع" إلى "الحسم النهائي". القرارات الأخيرة بنقل صلاحيات الإدارة المدنية من السلطة العسكرية إلى وزارات مدنية إسرائيلية، وتغيير قوانين الملكية التاريخية، ليست مجرد إجراءات بيروقراطية عابرة؛ بل هي إعلان سيادة صامت يهدف لخلق واقع ميداني غير قابل للرجوع عنه. هذه الاستراتيجية تسعى لتفتيت المدن الفلسطينية وتحويلها إلى جزر معزولة (كانتونات) محاصرة بمحيط استيطاني مترابط، مما يجعل فكرة التواصل الجغرافي لأي دولة فلسطينية مستقبلًا ضربًا من المستحيل التقني والجغرافي.
هذا التحول الدراماتيكي يرتبط برباط وثيق بملف قطاع غزة، حيث يمارس نتنياهو ما يمكن وصفه بـ "التمويه الاستراتيجي"؛ فبينما ينشغل المجتمع الدولي بمفاوضات "اليوم التالي" وتفاصيل عمل اللجنة الوطنية لإدارة القطاع وتوزيع المساعدات وإعادة إعمار ما دمرته الحرب، يستغل اليمين الإسرائيلي هذا الانشغال الدولي لتوجيه الضربة القاضية في الضفة. الهدف النهائي هو "فصل الساحات" سياسيًا للأبد، بحيث تتحول غزة إلى كيان إداري تقني منزوع السلاح ومنكفئ على جراحه وإعماره، بينما تبتلع إسرائيل الضفة إداريًا وقانونيًا، لتنتهي بذلك وحدة الأراضي الفلسطينية وتتلاشى الهوية السياسية الموحدة للقضية.
لكن هذه الطموحات الصدامية تجد نفسها اليوم في مواجهة مباشرة مع "خطة العشرين نقطة" التي تروج لها إدارة ترامب في ولايتها الثانية. ترامب، الذي يسعى لتحقيق "صفقة القرن 2.0" وإرساء نموذج "غزة الجديدة" كمنطقة استثمارية واعدة، يرى في التصعيد الجاري بالضفة كابوسًا دبلوماسيًا يهدد بتفجير انتفاضة شاملة قد تحرق المنطقة وتدمر بيئة الاستثمار. الرفض العلني الصارم الذي أبداه البيت الأبيض في فبراير 2026 لأي قرارات تتعلق بـ "الضم الرسمي" ينبع من إدراك واشنطن أن جنوح نتنياهو يهدد بتقويض الاستقرار الإقليمي الذي هو حجر الزاوية في الرؤية الأمريكية الجديدة للمنطقة.
وعلى الرغم من الضغوط التي يمارسها اللوبي الاستيطاني، إلا أن براجماتية ترامب تمنعه من الانزلاق خلف رغبات نتنياهو بالضم الكامل؛ فترامب يدرك أن "الصفقة الكبرى" تتطلب دعمًا مطلقًا من "التكتل الثماني" والقوى الإقليمية الفاعلة كالسعودية ومصر والأردن. هذه القوى هي التي ستمول الإعمار وتضمن الأمن عبر "قوات استقرار دولية"، ولن تقبل بأي حال من الأحوال أن تُستغل مساهمتها في غزة كغطاء لتصفية الضفة. بالنسبة لترامب، إنجاح "الصفقة" وتحويلها إلى إنجاز تاريخي شخصي له يتقدم على أي اعتبارات أيديولوجية لليمين الإسرائيلي، مما يخلق فجوة تتسع يومًا بعد يوم بين حليفين كانا بالأمس القريب على قلب رجل واحد.
وفي ظل هذا التدافع، تبرز خيارات دول الإقليم كحائط صد أخير أمام مشروع الحسم، حيث انتقلت الدبلوماسية العربية إلى مربع "الدبلوماسية الخشنة". الخيار الإقليمي القائم الآن يعتمد على "الربط الشرطي" الصارم؛ فلا تعاون في ملف غزة، ولا تمويل لإعادة الإعمار، ولا مشاركة في "مجلس السلام" المقترح، ما لم يتم تجميد كامل وفوري لكافة الإجراءات الأحادية في الضفة. وبالتوازي مع ذلك، يتم تفعيل المسارات القانونية في المحافل الدولية لتعريف إجراءات نتنياهو كـ "ضم فعلي" يستوجب الملاحقة الجنائية الدولية. إن دول المنطقة تدرك أن معركة الضفة هي معركة وجودية لأمنها القومي، ففقدان السيطرة هناك يعني انفجارًا سكانيًا وسياسيًا لن تقف حدوده عند جدار الفصل، بل سيمتد ليطال استقرار الإقليم بأسره.