رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

 لا يمكن التعامل مع توقيت إعلان إسرائيل إجراءات جديدة تهدف إلى ترسيخ ضمّ الضفة الغربية، باعتباره خطوة سياسية عادية أو منفصلة عن سياقها الأوسع. 

فقد جاء الإعلان بالتوازي مع زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى واشنطن، ما يفتح الباب أمام تساؤلات جوهرية حول الدوافع الحقيقية، ومستوى التنسيق، والحسابات الاستراتيجية التي تحكم مسار العلاقات الأميركية–الإسرائيلية في لحظة إقليمية مفصلية.

رسميًا، جرى تقديم زيارة نتنياهو باعتبارها محطة لمناقشة مسار المفاوضات الجارية بين الولايات المتحدة وإيران في مسقط، والتي تتركز على الملف النووي الإيراني ومساعي خفض التصعيد الإقليمي، غير أن هذه المحادثات لطالما شكّلت نقطة خلاف بين واشنطن وتل أبيب. 

فقد عارض نتنياهو مرارًا أي انفتاح دبلوماسي على طهران، واعتبر المواجهة العسكرية الوسيلة الأكثر فاعلية — بل الوحيدة — لمنع إيران من تطوير قدراتها النووية. هذا التباين المعلن يجعل التزامن بين الزيارة وتسريع خطوات الضمّ أمرًا بالغ الدلالة.

من الصعب اعتبار هذا التزامن مصادفة، بل يعزز الانطباع بأن إسرائيل اختارت هذا التوقيت بعناية للمضي في سياسات الضمّ، مستفيدة من بيئة دولية يغيب عنها موقف أميركي حازم أو ضغوط عملية رادعة. 

صحيح أن واشنطن تواصل التأكيد لفظيًا على دعمها لحل تفاوضي ورفضها للإجراءات الأحادية، إلا أن هذه التصريحات لم تُرفق بكلفة سياسية ملموسة على إسرائيل، وفي ظل هذا المناخ، يبدو أن تل أبيب قدّرت أن مخاطر تسريع الضمّ تبقى محدودة.

هذه المعطيات تعطي زخمًا لفكرة وجود “صفقة صامتة” — تفاهم غير مُعلن بين واشنطن وتل أبيب، لا يقوم على اتفاق رسمي، بل على تبادل براغماتي للأولويات. ووفق هذا التصور، قد تكون الولايات المتحدة تتسامح ضمنيًا مع جهود إسرائيل لترسيخ الضمّ في الأراضي الفلسطينية المحتلة، مقابل التزام إسرائيلي بضبط النفس إزاء أي عمل عسكري أحادي ضد إيران، أو على الأقل تأجيله طالما استمرت القنوات الدبلوماسية مفتوحة.

إذا صحّ هذا السيناريو، فإنه يشير إلى إعادة ترتيب لسلّم أولويات السياسة الأميركية في الشرق الأوسط. فإدارة التصعيد مع إيران — وتفادي اندلاع حرب إقليمية قد تهدد أسواق الطاقة العالمية وتضر بالمصالح الاستراتيجية الأميركية — تبدو اليوم أولوية تتقدم على مواجهة السياسات الإسرائيلية التي تمسّ القانون الدولي، وتقوّض المواقف الأميركية التقليدية حيال القضية الفلسطينية. وضمن هذا التسلسل، تتراجع فلسطين مرة أخرى إلى ملف ثانوي، عرضة للمساومات السياسية الضمنية.

لطالما اختبرت إسرائيل حدود التسامح الأميركي عبر خلق “وقائع على الأرض” في الأراضي المحتلة، سواء عبر التوسع الاستيطاني أو الإجراءات القانونية والإدارية أو تعديل الوضع القائم في مناطق حساسة. غير أن ما يميز المرحلة الراهنة هو السياق الدولي والإقليمي المحيط بها؛ فالولايات المتحدة منشغلة بأزمات عالمية متعددة، وتسعى في الوقت ذاته إلى تجنب صراع جديد في الشرق الأوسط، خصوصًا إذا كان طرفه إيران.

في هذا الإطار الأوسع، قد يُنظر في واشنطن إلى تسارع الضمّ باعتباره كلفة يمكن احتواؤها مقارنة بالعواقب الكارثية المحتملة لمواجهة عسكرية مباشرة بين إسرائيل وإيران. غير أن هذا المنطق ينطوي على تداعيات بعيدة المدى. فبتهميش القضية الفلسطينية لصالح إدارة أزمات قصيرة الأجل، تخاطر الولايات المتحدة بإضعاف الأسس التي يقوم عليها النظام الدولي القائم على القواعد، والذي تؤكد التزامها به.

ولا تقتصر مخاطر هذه “الصفقة الصامتة” على الساحة الفلسطينية–الإسرائيلية. فبالنسبة للفلسطينيين، يعني ترسيخ الضمّ مزيدًا من تفتيت الجغرافيا، وتقويض فرص إقامة دولة متواصلة وقابلة للحياة، وتعميق حالة الإحباط السياسي. وهذه العوامل لا تنتج استقرارًا، بل تغذي دوائر الغضب والتطرف والعنف، بما يتناقض مع الأهداف المعلنة لخفض التصعيد وتسوية النزاعات.

إقليميًا، يبعث استمرار القبول الأميركي برسالة مقلقة مفادها أن مبادئ القانون الدولي — وعلى رأسها حظر الاستيلاء على الأراضي بالقوة — يمكن تطبيقها بانتقائية أو تجاوزها عندما تتعارض مع أولويات القوى الكبرى. مثل هذا الانطباع يهدد بتكريس نهج أحادي يقوّض المعايير الدولية خارج السياق الفلسطيني أيضًا.

أما على المستوى الدولي، فإن مصداقية الخطاب الغربي بشأن حقوق الإنسان وسيادة القانون تتعرض لمزيد من التآكل عندما تُواجَه سياسات الضمّ الإسرائيلية باكتفاء دبلوماسي لا يتجاوز بيانات القلق. وتتسع الفجوة بين المبادئ المعلنة والممارسة الفعلية، خصوصًا في نظر جمهور الجنوب العالمي، حيث تتردد منذ سنوات اتهامات بازدواجية المعايير.

في المحصلة، يكشف التزامن بين زيارة نتنياهو إلى واشنطن وتسارع إجراءات الضمّ عن معادلة سياسية مقلقة، تُقدَّم فيها إدارة التصعيد مع إيران على ضرورة مواجهة انتهاكات القانون الدولي في الأراضي الفلسطينية المحتلة. سواء جرى إضفاء طابع رسمي على هذا التفاهم أم بقي ضمنيًا، فإنه يعكس نمطًا من صناعة القرار قائمًا على إدارة الأزمات، يفضّل الاستقرار الآني على العدالة المستدامة.

غير أن تبعات هذا النهج لن تبقى محصورة في فلسطين وحدها. فحين تتغلب حسابات القوة على الاعتبارات القانونية والأخلاقية، يصبح الإقليم أكثر هشاشةً وتفككًا، ويبتعد أكثر عن أي أفق حقيقي لسلام عادل ودائم.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء