كما هى عادتنا عند الإعلان عن تغيير أو تعديل وزارى، نبدأ فى التخمين عمن سوف يتم استبعاده من التشكيل القديم.... والتوقعات وأحياناً التمنيات لأشخاص معينة بالحلول مكانهم.... ونحن على هذه الحالة منذ عشرات السنين، فى حين أن فئة كبيرة من الشعب لم يعد يهمها من أتى ومن ذهب، لأن شغلهم الشاغل أصبح مرتبطًا بحياتهم اليومية وقوت يومهم ومرتباتهم، دون النظر إلى من يشغل قيادة الوزارات التى يعملون بها.... وسوف أنحاز فى هذا المقال إلى تلك الفئة التى تبحث عن أبسط وسائل الحياة من مآكل ومشرب وأمن واستقرار.
يأتى انطباعى حول التعديل الوزارى أن معظم ما جاء به من اختيارات كانت للدكتور/ مصطفى مدبولى اليد العليا له، نظرًا لثقة القيادة السياسية به ولخبرته التى اكتسبها طول فترة رئاسته لمجلس الوزراء والتى استمرت حتى الآن قرابة ثمانية أعوام.... ومن هنا كان انشغاله الرئيسى بالوضع الاقتصادى الذى تمر به البلاد، حيث أرى أن تعيين نائب واحد لرئيس الوزراء يكون معنيًا بالملف الاقتصادى دون تحميله بأعباء وزارة معينة قرارًا صائبًا ويمثل تغييرًا جذريًا فى التركيبة الجديدة وليس مجرد تعديل، فهناك خمس وزارات سوف تكون تحت إشراف رجل اقتصاد من الطراز الأول وهو الدكتور حسين عيسى، وهو ما يعكس اهتمام الدولة بالملف الاقتصادى، حيث سوف يؤدى وجود هذا المنصب بدون حقيبة وزارية إلى تحرره من تضارب المصالح والقرارات، بحيث لا يصبح طرفًا فى التنافس البيروقراطى بين الوزارات التى سوف يشرف عليها ويكون منسقًا لها، كما يمنحه مساحة أوسع لتوحيد الرؤية الاقتصادية وممارسة دوره فى التنسيق السياسى مع التفرغ للتركيز على البعد الاستراتيجى.
إلا أن هذا يتطلب ضرورة وضوح الصلاحيات والاختصاصات وآليات التنفيذ والمتابعة وطبيعة العلاقة بينه وبين وزراء المجموعة الاقتصادية، وأعتقد أن هناك ضرورة لتكوين فريق عمل مؤهل يتبع لنائب رئيس الوزراء لمتابعة تنفيذ القرارات وتمكينه من الوصول إلى البيانات الكاملة التى يستطيع من خلالها تكوين الرأى والقرار الذى يتناسب مع كل وزارة أو مع الوزارات الخمس مجتمعين... ومن المؤكد أن الفاصل الحاسم فى الأداء الاقتصادى يجب أن يكون منصبًا على ضبط الأسعار والرقابة العادلة والعدالة فى توزيع الأعباء والشفافية فى عرض الحقائق على المواطن حتى تكون طموحاته وآماله متسقة مع المعطيات التى تعلن له دون تهوين أو تهويل.
نأتى بعد ذلك إلى محور الأمن القومى، والذى لم يعد وقفًا على الجهات السيادية التى تقوم بواجبها الوطنى خير قيام واستنقذت الوطن من مهالك وعواصف عصفت بدول الجوار، خاصة وأن الأمن القومى اتسعت مفاهيمه من مجرد حماية الوطن ومقدراته إلى العمل على مضاعفة الإنتاج وتأمين الطاقة وتحقيق الأمن الاجتماعى ونشر الوعى والتوعية وتعميق روح الانتماء والولاء للوطن وبناء إنسان ذى إرادة قوية والتزام تجاه وطنه وانضباط فى أداء عمله، وهو ما أسهم فى تحقيقه الأكاديمية العسكرية المصرية بشكل كبير، ومن هذا المنطلق جاء تعيين السيد الفريق أول أشرف زاهر وزيرًا للدفاع والإنتاج الحربى، مما يعطى مفهومًا جديدًا ومتطورًا للعسكرية المصرية.
فمن المؤكد أن السيد الرئيس بعدما اطمأن إلى قوة تسليح وقدرات الجيش المصرى وتمكنه من التعامل مع أى محاولة لزعزعة الأمن القومى للبلاد.... اتجه إلى تأهيل وبناء العنصر البشرى المساعد لقواتنا المسلحة على قيامها بالدور المكمل لها فى جميع الجهات والهيئات التى يعملون بها.... ولا شك أن السيد وزير الدفاع يتفهم جيدًا رؤية وتوجهات القيادة السياسية، حيث قاد واحدة من أهم رؤى السيد الرئيس منذ أن كان وزيرًا للدفاع، فهو العقل الذى أدار الأكاديمية العسكرية المصرية وهو المسؤول عن ثورة المناهج التى دمجت العلوم المدنية بالعلوم العسكرية المتطورة، مما يجعله محركًا للسيادة التكنولوجية والذكاء الاصطناعى العسكرى وصانع القادة فى مجالات العمل المختلفة سواء عسكريًا أو مدنيًا، وهو اختيار موفق بكل المفاهيم الاستراتيجية والرؤية المستقبلية، خاصة وأن مصر اليوم لا تبنى جيوشًا تقليدية فقط ... بل تبنى منظومات سيادة رقمية، وهو ما يمثل قوة مضافة للجيوش المصرية لتتحصن بالعلم والمعرفة، وهو ما حققه السيد وزير الدفاع الجديد إبان رئاسته للأكاديمية العسكرية وقبلها قيادة الكلية الحربية.
ونأتى بعد ذلك إلى تجديد ثقة السيد الرئيس فى السيد اللواء محمود توفيق وزير الداخلية، وهو الرجل الذى لا يختلف عليه أحد فى أدائه منذ توليه الوزارة وحتى اليوم، والذى يبذل جهودًا مضنية لمكافحة الإرهاب والجرائم المستحدثة وتجارة الأسلحة والمخدرات، وهو الذى يعمل فى صمت وهدوء أكسبه احترام الجميع وأجمعوا على ارتياحهم للاستمرار فى منصبه لاستكمال مسيرته الشاقة فى عالم تتزايد فيه التحديات الأمنية وتتداخل فيه المصالح، حيث أصبح الأمن واستقراره ركيزة أساسية للحفاظ على مقدرات الدولة وحماية جبهتها الداخلية.
ولا شك أن التعاون المشترك بين القوات المسلحة والشرطة سوف يساهم بفاعلية فى تحقيق منظومة الأمن القومى بكافة أبعادها خارجيًا وداخليًا، بل ولا أبالغ إذا كان هذا التعاون أيضًا سوف يكون له دور كبير فى زيادة معدلات التنمية والنمو الاقتصادى بالاستقرار الأمنى، حيث يكون دافعًا لزيادة الاستثمار والسياحة بها، وهما بلا شك من أهم عوامل زيادة الدخل القومى للبلاد.
تلك هى انطباعاتى الأولية التى أرى إنها تعكس رؤية القيادة السياسية سواء على المستوى الاقتصادى والمجتمعى أو على مستوى الحفاظ على أمن واستقرار الوطن، ويبقى الأمل معقودًا على أن تتسارع خطوات الحكومة الجديدة نحو تحقيق نتائج ملموسة يشعر بها المصريون، وأن سنوات الصبر سوف تؤتى ثمارها أمنًا واستقرارًا وتحسنًا فى مستوى المعيشة وفى تحقيق طموحات السيد الرئيس عبد الفتاح السيسى للشعب المصرى.