ذكرى ميلاد جاليليو جاليلي.. العالم الذي تحدى الكنيسة وغير النظرة إلى الكون
في 15 فبراير عام 1564 ولد جاليليو جاليلي في مدينة بيزا الإيطالية لعائلة تنتمي إلى طبقة النبلاء، وكان والده فينتشنزو غاليلي موسيقيًا ومؤلفًا له إسهامات مهمة في نظرية الموسيقى، وهو ما أتاح للطفل الصغير أن ينشأ في بيئة تقدر الفكر والمعرفة.
أظهر جاليليو منذ طفولته شغفًا بالملاحظة والتجريب، وكان يميل إلى صناعة نماذج للأدوات والآلات التي يراها، في دلالة مبكرة على عقل علمي مختلف عن السائد في عصره.
انتقلت أسرته لاحقًا إلى فلورنسا، وهناك تلقى تعليمه الأول، قبل أن يلتحق بجامعة بيزا لدراسة الطب نزولًا عند رغبة والده، لكنه سرعان ما انجذب إلى الرياضيات والفيزياء، ليبدأ مسارًا علميًا سيقلب مفاهيم الكون رأسًا على عقب.
ثورة علمية
خلال سنوات دراسته وأعماله البحثية، تحدى جاليليو النظريات الأرسطية التي كانت تعتمدها الكنيسة الكاثوليكية مرجعًا علميًا، خاصة ما يتعلق بحركة الأجسام ومركزية الأرض. ومن خلال تجاربه على الأجسام الساقطة، أثبت أن سرعة سقوط الأجسام لا تتناسب مع أوزانها، مخالفًا بذلك آراء الفيلسوف اليوناني أرسطو.
لكن التحول الأبرز في مسيرته جاء عام 1609، حين طوّر تلسكوبًا مكّنه من رصد تفاصيل غير مسبوقة في السماء، فاكتشف جبال القمر، والبقع الشمسية، وأقمار كوكب المشتري الأربعة، كما رصد مراحل كوكب الزهرة، وهي اكتشافات دعمت نظرية نيكولاس كوبرنيكوس القائلة بمركزية الشمس، وأن الأرض جرم يدور في فلكها.

أحدثت هذه الاكتشافات صدمة في الأوساط العلمية والدينية، إذ قوّضت الأسس التي بُني عليها علم الكونيات الأرسطي، وفتحت الباب أمام ما عُرف لاحقًا بالثورة العلمية الحديثة.
صدام الكنيسة
دفاع غاليليو العلني عن نظرية مركزية الشمس أدخله في صدام مباشر مع الكنيسة الكاثوليكية، التي رأت في أفكاره تعارضًا مع التفسير الحرفي لبعض نصوص الكتاب المقدس.
ففي عام 1616 طُلب منه التوقف عن الترويج لنظرية كوبرنيكوس، فامتثل لفترة، لكنه عاد ونشر عام 1632 كتابه الشهير "حوار حول النظامين العظيمين للعالم"، الذي عرض فيه وجهتي النظر الأرسطية والكوبرنيكية، مرجحًا الثانية.
استدعي بعدها إلى روما، وخضع لمحاكمة أمام محاكم التفتيش عام 1633، حيث أدين بالهرطقة وأُجبر على التراجع عن آرائه، وحكم عليه بالإقامة الجبرية مدى الحياة في منزله قرب فلورنسا، وظل هناك حتى وفاته عام 1642.

رغم التضييق الذي تعرض له، واصل جاليليو أبحاثه في الفيزياء، وكتب خلال إقامته الجبرية مؤلفه المهم "الخطابات والبراهين الرياضية المتعلقة بعلمين جديدين"، الذي وضع أسس علم الميكانيكا الحديثة، ومهد الطريق أمام أعمال إسحاق نيوتن في قوانين الحركة والجاذبية.
وبمرور الزمن، اعترفت الكنيسة بخطئها في التعامل معه، وأصبح جاليليو يُلقب بـ"أب العلم الحديث"، بوصفه من أوائل من اعتمدوا المنهج التجريبي القائم على الملاحظة والبرهان، بعيدًا عن المسلّمات الموروثة.