رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

ذكرى الحكم بإعدام سقراط.. الفيلسوف الذي اختار الموت دفاعا عن مبادئه

الفيلسوف اليوناني
الفيلسوف اليوناني سقراط

تمر اليوم ذكرى صدور حكم الإعدام على  الفيلسوف اليوناني سقراط في 15 فبراير عام 399 قبل الميلاد، في واحدة من أشهر المحاكمات في التاريخ القديم، التي لم تكن مجرد محاكمة لرجل، بل كانت مواجهة مفتوحة بين السلطة والفكر، وبين التقاليد الراسخة وروح السؤال النقدي.

جاء الاتهام الرسمي لسقراط بإنكار آلهة المدينة وإفساد أخلاق الشباب، وهي تهم عكست في جوهرها قلق المجتمع الأثيني من تأثير أفكاره على الجيل الجديد، إذ كان يحث الشباب على التفكير الحر، ومراجعة المسلمات، وعدم قبول الآراء دون تمحيص أو حجة.

كانت أثينا في ذلك الوقت تعيش اضطرابات سياسية عقب هزيمتها في الحرب البيلوبونيسية، وتبدل أنظمتها بين الديمقراطية وحكم الطغاة، ما جعل المناخ العام مشحونًا بالشك والريبة.

وفي خضم هذا المناخ، بدا سقراط بالنسبة للبعض مصدر إزعاج فكري، لأنه كان يسائل كل شيء، من السياسة إلى الأخلاق إلى مفهوم العدالة ذاته، دون أن يقدم إجابات جاهزة، بل مكتفيًا بإثارة الأسئلة التي تكشف تناقضات الآخرين.

فرصة النجاة المرفوضة

بحسب ما أورده المؤرخ الأسترالي جون هيرست في كتابه "أوروبا.. تاريخ وجيز"، فإن تنفيذ حكم الإعدام في أثينا كان يتم عادة بسرعة، غير أن إعدام سقراط تأجل بسبب احتفالات دينية، ما أتاح له فترة انتظار في السجن كان يمكن أن يستغلها للهروب.

وتشير روايات متعددة إلى أن أصدقاءه وتلاميذه كانوا قادرين على تدبير خروجه بسهولة، سواء عبر الرشوة أو الترتيبات السرية، بل إن بعض السلطات لم تكن لتأسف كثيرًا إن غادر المدينة طواعية.

إلا أن سقراط رفض كل تلك المقترحات، معتبرًا أن الهروب خيانة للقوانين التي عاش طوال حياته يدعو إلى احترامها.

وكان منطقه واضحًا في نظره إذا كان قد استفاد من قوانين المدينة طوال عمره، فلا يجوز له أن ينقلب عليها حين تصدر حكمًا ضده، حتى وإن كان هذا الحكم جائرًا، وهنا تجلت المفارقة الكبرى؛ فقد قبل الموت دفاعًا عن مبدأ سيادة القانون، رغم أنه كان ضحية له.

لحظة الموت

جاءت لحظة التنفيذ عبر شرب سم مستخرج من نبات الشوكران، وهو نبات سام ذو أزهار بيضاء تميل إلى الخضرة وتنمو على هيئة مظلة، ويعد من النباتات شديدة السمية التي تؤثر مباشرة على الجهاز العصبي.

ترجوه تلاميذه أن يؤخر شرب السم حتى غروب الشمس، إذ كان الحكم يقضي بتنفيذه في نهاية اليوم، لكن الشمس لم تكن قد غربت بعد، غير أنه رفض التأجيل، مؤكدًا أن التمسك بالحياة على حساب الكرامة الفكرية إهانة للنفس قبل أن يكون خوفًا من الموت.

شرب سقراط السم بهدوء، دون أن يظهر جزعًا أو اعتراضًا، بل كان يتحدث مع تلاميذه حتى اللحظات الأخيرة، ثم تبدأ أعراض الشوكران عادة بالغثيان والارتعاش، ثم يمتد تأثيره تدريجيًا ليصيب الأطراف بالشلل حتى يصل إلى الصدر، حيث يتسبب في فشل الجهاز التنفسي، وبهدوء الفيلسوف الذي عاش حياته سائلًا ومفكرًا، فارق سقراط الحياة، تاركًا مشهدًا ظل خالدًا في الذاكرة الإنسانية.

لم يترك سقراط كتبًا مدونة، لكن أفكاره انتقلت عبر تلاميذه، وعلى رأسهم أفلاطون الذي وثق محاوراته، وسجل تفاصيل محاكمته وموته في أعماله، وكذلك أرسطو الذي تأثر بمنهجه القائم على التحليل العقلي والمنطق. ومن خلال هؤلاء، تحولت أفكاره إلى حجر أساس في الفلسفة الغربية، وأصبح اسمه مرادفًا لحرية التفكير وجرأة السؤال.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء