رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

في مشهدٍ واقعي صادم لا يُصدّقه عقل أو ضمير، تجسدت فيه صورة حية للخسة وعدم المروءة، حيث تم إلقاء شاب  في قرية ميت عاصم بمدينة بنها كهدف للمهانة من قبل مجموعة شباب اختطفوه من بيته، ضربوه، وأجبروه على ارتداء بدلة رقص نسائية ثم "زفّوه" في الشارع وسط الضحك والتصفيق من بعض المتفرجين، والصمت من الآخرين.

هذا المشهد المؤلم والمقزز أيضاً، لا يعكس تحولًا في السلوك المجتمعي وحسب، بل يعكس انحطاطًا واضحًا، حيث تحوّل الإذلال إلى استعراض قوة وعضلات، والمهانة إلى مادة للتسلية، وللأسف بمنتهى الاستغراب والتعجب يتساءل البعض، كيف تحولت المشاهدات الفاضحة إلى مادة للضحك والسخرية، وكيف أصبحنا نستساغ المحتوى الذي ينال من كرامة الإنسان، ومتى باتت القوة فجاجة وحرب عصابات وخناقات شوارع، وكيف بتنا نشاهد ولا نتوقف أمام ذلك؟!!

أظهر ذلك حين صاغت بعض الأمهات في عقول الأطفال "خد حقك بإيدك"، أم حين تفشت الحروب اللاإنسانية، أم حين اشتد صراع البقاء وباتت المكايدات ودهس الآخرين ملة جديدة للبعض.. أم اعتادت نفوسنا بسبب ما شاهدناه من مشاهد سينمائية وواقعية دموية.

فلم يكن الفعل شغبًا أو مزحة، بل افتقارًا لكل معاني الإنسانية، وإهانةً لكرامة شخص لا ذنب له سوى أنه حاول الارتباط بمن يحب، أو ربما لم يحدث ذلك حتى، ما حدث هو خروج عن كل الأعراف الإنسانية والأخلاقية، إذ لم يُراعَ في هذا الشاب لا حقٌ في الخصوصية، ولا احترام للكرامة، ولا أي شعور بقدر أو قيمة للآخر.

التصرفات المحرجة كإجبار شخص على ارتداء ملابس غير ملائمة بقصد الإذلال أمام المجتمع هي صورة من صور التنمر الجماعي، ولم تكن يومًا الإهانة رجولة، ولم نعهد التشهير من شيم الشرف.. ولم نكن نعلم يومًا أن بعض الرجال ستختلط بدمائهم الخسة وعدم المروءة.

نسمع كثيرًا عن شكاوى تتعلق بتراجع قيم الرجولة والشهامة في مجتمعاتنا، ولكن ما حدث في هذا الفيديو يؤكد أن المشكلة أعمق من تراجع في الأخلاق—بل هي أزمة في الحسّ الإنساني ذاته.. قلوب تجردت من الرحمة، وعقول تجردت من الحكمة، ونفوس فقدت ضبط النفس.

الرجولة الحقيقية ليست في القوة الجسدية فقط، بل في الاحترام، والكرامة، وضبط النفس.. القوة الحقيقية للرجولة في تحمّل مسؤولية وحكمة.. أما ما نراه من تصوير، سخرية، ونشر لحظات إذلال إنسان، فهذا دليلٌ على تراجع في الشعور بالمسؤولية الاجتماعية، وضعف في حسّ التعاطف تجاه الآخر.

وللأسف أن البعض يرى في مشاهدة مثل هذه الفيديوهات نوعًا من السخرية اليومية أو الترفيه الخفيف، بدلًا من النظر إليها كجريمة تستوجب الرفض والانتقاد.

من المفترض أن يكون القانون والمجتمع معًا حصنًا للضعفاء، لكن حين تتحوّل ما يُفترض أنه جريمة واضحة إلى موضوع نقاش أو “مزحة على السوشيال ميديا”، يكون هناك خللٌ في فهمنا للجريمة وعواقبها.

الأمر لم يكن مجرد شجار بين شباب، بل اعتداء جسدي ونفسي موثّق يستوجب تحقيقًا جادًا، ومساءلة من يقومون بهذا العمل أمام العدالة، بدل أن يصبحوا مادة للتعليقات الساخرة أو مضمونًا يحقق مزيدًا من المشاهدات.

ونجد أن والد الشاب نفسه طالب بحق ابنه وضبط جميع المتهمين، مظهرًا أن هناك من يفهم ما معنى الكرامة وما معنى العدالة.

فهذا الشاب لن ينجو سريعًا ولن يتعافى بغمضة عين، فسيعاني صراعًا نفسيًا بين محاولة إثبات قوته للخروج من دائرة المظلومية.. أو استغلال تعاطف أهل قريته.

وقد جاء التحرك السريع للأجهزة الأمنية حاسمًا جدًا، ورسالة واضحة أن كرامة الإنسان خط أحمر وأنه غير مسموح بالبلطجة في دولة ذات سيادة قانونية، فالقانون لا يعترف بمبررات مثل “تأديبه” أو “تعليمه درسًا”، ولا يملك الأفراد حق تنفيذ عقوبات اجتماعية بأنفسهم.. فهذه فوضى عدالة ولن تكن يومًا عدالة حقيقية.

نأمل في المحاسبة السريعة الرادعة لوقف هذه الفوضى والبلطجة والأعمال المنافية للإنسانية.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء