رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

تقرير لمركز باستيت:التحول الاستراتيجي الأمريكي شرق سوريا بعد فبراير2026

أرشيفية
أرشيفية

في مستهل فبراير 2026، دخل الوجود العسكري الأمريكي في سوريا مرحلة إعادة تموضع لا يمكن اختزالها في بعدها العملياتي المباشر. فقد تم تقليص الدور العملياتي في قاعدة التنف -إحدى أهم ركائز الانتشار الأمريكي منذ عام 2016- مع الإبقاء على حضور محدود في شرق الفرات. ويعكس هذا التطور تحولًا في نمط الانخراط، من تمركز كثيف قائم على ضبط الممرات البرية واحتواء النفوذ الإيراني، إلى مقاربة أكثر انتقائية تسعى إلى تقليص الكلفة مع الحفاظ على الحد الأدنى من أدوات التأثير.

لقد مثلت التنف لسنوات نقطة ارتكاز استراتيجية ذات وظيفة مزدوجة: قطع خطوط الإمداد العابرة للحدود بين العراق وسوريا، وإعادة تشكيل ميزان الردع في مواجهة طهران ودمشق. غير أن التحول الراهن يتقاطع مع متغيرات ميدانية وسياسية أوسع، من بينها إعادة ترتيب الأولويات الأمريكية في الإقليم، وتراجع مركزية الملف السوري ضمن الحسابات الاستراتيجية لواشنطن.

ويتزامن هذا التحول مع مسار موازٍ في ملف مكافحة تنظيم "داعش"، تجلى في بدء نقل دفعات من أنصار ومحتجزي التنظيم من شمال شرق سوريا إلى السجون العراقية، في إطار تنسيق أمني مع بغداد. وتعكس هذه الخطوة انتقالًا تدريجيًا من إدارة أمريكية مباشرة لملف الاحتجاز في مناطق سيطرة "قسد"، إلى صيغة تعتمد بصورة أكبر على الشركاء الإقليميين، بما ينسجم مع اتجاه أوسع لإعادة توزيع الأعباء وتقليص الانخراط الميداني المباشر دون الانسحاب الكامل من معادلة التأثير.

في ضوء ذلك، لا يبدو ما يجري مجرد إعادة انتشار عسكرية، بل مؤشرًا على مراجعة في فلسفة الحضور الأمريكي ذاته: من "التموضع لفرض التوازن" إلى "الإدارة الانتقائية للنفوذ". وهنا يبرز السؤال الجوهري الذي تحاول هذه الدراسة معالجته: هل يمثل تقليص الدور في التنف خطوة أولى ضمن مسار انكماش تدريجي للدور الأمريكي في سوريا، أم أنه إعادة تعريف محسوبة لأدوات النفوذ تُبقي على القدرة على التأثير بأقل تكلفة ممكنة؟

تحاول هذه الدراسة تفكيك هذه اللحظة عبر تحليل دلالاتها العسكرية، وقراءة انعكاساتها على ميزان القوى الإقليمي، واستشراف ما إذا كانت سوريا تتجه نحو إعادة تشكيل توازناتها في ظل حضور أمريكي أقل مركزية.

الإطار المنهجي:

تعتمد هذه الدراسة على منهج التحليل الاستراتيجي متعدد المستويات، من خلال مقاربة تجمع بين تحليل التحولات العسكرية الميدانية وتحليل ديناميات توازن القوى الإقليمية. وتنطلق الدراسة من افتراض نظري مستمد من أدبيات "إدارة المخاطر الاستراتيجية" و"إعادة تموضع القوى الكبرى"، والتي تفترض أن تقليص الانتشار العسكري لا يعني بالضرورة الانسحاب الكامل، بل قد يعكس انتقالًا من نمط الهيمنة المباشرة إلى نمط التأثير الانتقائي منخفض الكثافة (Posen، 2014).

منهجيًا، توظف الدراسة أدوات التحليل التفسيري (Interpretive Analysis) لفهم دلالات التحول الأمريكي في شرق سوريا، بالاستناد إلى بيانات رسمية، وتقارير مراكز بحثية، ومتابعة تطورات ميدانية خلال الفترة يناير–فبراير 2026. كما تعتمد على أسلوب بناء السيناريوهات (Scenario Building) لاستشراف المسارات المحتملة خلال أفق زمني يتراوح بين 12 و24 شهرًا، استنادًا إلى متغيرات حاكمة تشمل: مستوى الحضور الأمريكي المتبقي، وسلوك القوى الإقليمية، واحتمالات عودة الفاعلين من غير الدول.

ولا تسعى الدراسة إلى تقديم تنبؤ حتمي بمآلات التحول، بل إلى اختبار احتمالات متعددة في ضوء توازنات القوة القائمة، بما يسمح بفهم التحول بوصفه عملية ديناميكية مفتوحة على أكثر من مسار.

أولاً: التحول في التنف – دلالات عسكرية واستراتيجية

شكلت قاعدة التنف منذ عام 2016 إحدى الركائز العملياتية للانتشار الأمريكي في الجنوب الشرقي من سوريا، بالنظر إلى موقعها الجيوستراتيجي عند المثلث الحدودي السوري–العراقي–الأردني. وقد ارتبط وجودها بثلاث وظائف رئيسية: منع اكتمال الممر البري الذي تسعى إيران إلى تأمينه بين طهران ودمشق؛ مراقبة المجال الصحراوي في البادية السورية؛ وتعزيز القدرة الأمريكية على التأثير في معادلات الردع الإقليمية (International-Crisis-Group، 2026).

غير أن التحول الذي برز منذ مطلع فبراير 2026، والمتمثل في تقليص الدور العملياتي في التنف دون إعلان انسحاب كامل، يعكس انتقالًا من نمط "التمركز الصلب" إلى نمط "الانتشار المرن منخفض البصمة". ويشير هذا التوجه إلى إعادة تقييم أمريكية لتكلفة البقاء في نقاط معزولة نسبيًا داخل بيئة أمنية تتسم بتعدد الفاعلين من غير الدول، في ظل أولويات استراتيجية أوسع (Reuters، 2026).

من منظور نظري، يمكن تفسير هذا التحول في إطار مقاربة "إدارة المخاطر بدل احتكار السيطرة"، حيث تتحول القوة المهيمنة من إدارة مباشرة للمجال إلى توظيف أدوات الردع عن بُعد، بما في ذلك الضربات الدقيقة، والاستخبارات الجوية، والعمل عبر شركاء محليين. وعليه، فإن تقليص الدور في التنف لا يعني تسليم المجال لقوى أخرى، بقدر ما يعكس إعادة توزيع للموارد ضمن هيكل أولويات متغير.

ثانياً: شرق الفرات – بقاء محسوب في ظل إعادة تعريف المهمة

رغم التحول في التنف، لا تزال الولايات المتحدة تحتفظ بوجود محدود في شرق الفرات، بالتنسيق مع قوات سوريا الديمقراطية. ويستند هذا الوجود إلى مبرر رسمي يتمثل في استمرار عمليات مكافحة تنظيم "داعش"، إلى جانب وظيفة ردعية غير معلنة تهدف إلى منع حدوث فراغ أمني سريع (Carnegie، 2026) (Al-Monitor، 2026).

بعبارة أخرى، يؤشر هذا البقاء إلى ثلاث رسائل استراتيجية:

أن واشنطن لم تتخلَّ بالكامل عن ورقة شرق سوريا.

أن ملف مكافحة "داعش" لا يزال مبررًا رسميًا للوجود.

أن الولايات المتحدة تسعى إلى منع فراغ أمني كامل قد تستفيد منه دمشق أو طهران أو حتى موسكو.

غير أن طبيعة هذا الحضور تغيرت نوعيًا؛ إذ بات أقرب إلى "حضور ضامن" يسعى إلى تثبيت توازن هش، دون السعي لإعادة تشكيل النظام المحلي أو الدخول في ترتيبات سياسية بعيدة المدى. ويتقاطع هذا التوجه مع ملف نقل عناصر التنظيم إلى العراق، ما يعكس توجهًا نحو تخفيف العبء الأمني داخل سوريا وإعادة توزيع أدوار الاحتواء إقليميًا (الشرق الأوسط، 2026).

وبذلك، يمكن القول إن الوجود الأمريكي في شرق الفرات بات يحمل طابعًا انتقاليًا: ليس انسحابًا كاملاً، ولا حضورًا مهيمنًا، بل صيغة وسطى تسعى إلى إدارة المخاطر بأقل كلفة سياسية وعسكرية.

ثالثاً: انعكاسات التحول على توازنات القوى الإقليمية

1- روسيا: تعزيز دور الوسيط وإعادة توسيع المجال العملياتي

بالنسبة إلى روسيا، يتيح التحول الأمريكي فرصة لتعزيز دورها كضامن أمني ووسيط بين دمشق والقوى الكردية، خاصة في ظل محاولات إعادة دمج بعض مناطق شرق الفرات في المنظومة السيادية السورية (Reuters، 2026). غير أن قدرة موسكو على ملء أي فراغ محتمل تظل مرتبطة بقدراتها العسكرية المنشغلة في ساحات أخرى، ما يجعل توسعها محسوبًا لا شاملًا.

2- إسرائيل: تصعيد وقائي للحفاظ على معادلة الردع

تنظر إسرائيل إلى أي تراجع أمريكي مباشر بوصفه عاملًا قد يسمح بتمدد إيراني تدريجي. ومن ثم، يُرجح أن تتبنى مقاربة "الاحتواء النشط"، عبر تكثيف الضربات الجوية لمنع تثبيت بنية عسكرية دائمة لإيران داخل سوريا (The Jerusalem Post، 2026). هذا النمط يعكس انتقال عبء الردع من الحضور الأمريكي المباشر إلى الفعل الإسرائيلي الوقائي، في إطار تنسيق غير معلن.

3- الأردن: اعتبارات الأمن الحدودي

بالنسبة إلى الأردن، مثلت التنف عنصرًا عازلًا ضد تهديدات التهريب وتسلل الجماعات المسلحة. وأي تغيير في وضعها يفرض على عمان تعزيز التنسيق الأمني مع واشنطن، وربما مع موسكو، لضمان استقرار الحدود الشمالية (العربي الجديد، 2026).

4- العراق: من شريك لوجستي إلى مركز إدارة مخاطر

يمثل العراق حلقة مركزية في إعادة توزيع الأدوار، لا سيما بعد نقل دفعات من عناصر تنظيم "داعش" إلى منشآت احتجاز عراقية. ويشير هذا التوجه إلى تحويل جزء من عبء إدارة ملف الإرهاب من الساحة السورية إلى العراقية، بما يعزز دور بغداد في منظومة الأمن الإقليمي (Carnegie، 2026).

5- تركيا: بين الفرصة الاستراتيجية وحدود الاشتباك المحسوب

تمثل تركيا أحد أبرز المتأثرين بالتحول الأمريكي في شرق سوريا، نظرًا لارتباط حضور واشنطن العسكري تاريخيًا بتوفير مظلة ردع غير مباشرة لقوات سوريا الديمقراطية، التي تنظر إليها أنقرة بوصفها امتدادًا لحزب العمال الكردستاني. وعليه، فإن أي تقليص في البصمة العسكرية الأمريكية، لا سيما في نقاط مثل قاعدة التنف أو في عموم شرق الفرات، يفتح أمام تركيا هامشًا أوسع لإعادة اختبار حدود الانتشار الكردي شمالًا (International-Crisis-Group، 2026).

غير أن هذا الهامش يظل محكومًا باعتبارات معقدة. فمن جهة، تسعى أنقرة إلى منع تشكل كيان ذي طابع حكم ذاتي كردي مستقر على حدودها الجنوبية. ومن جهة أخرى، تدرك أن أي عملية عسكرية واسعة النطاق قد تصطدم بثلاثة محددات:
(1) استمرار وجود أمريكي ولو محدود،
(2) الحضور الروسي كفاعل ضامن في بعض مناطق التماس،
(3) حسابات داخلية تركية مرتبطة بالوضع الاقتصادي والسياسي.

في هذا السياق، قد تتبنى تركيا مقاربة "الضغط التدريجي منخفض الكثافة"، عبر عمليات محدودة أو تعزيز نفوذها في مناطق "درع الفرات" و"نبع السلام"، بدل الانخراط في مواجهة شاملة قد تعيد خلط الأوراق الإقليمية (Reuters، 2026).

وعليه، فإن التحول الأمريكي لا يمنح أنقرة تفويضًا مفتوحًا، لكنه يخلق بيئة تفاوضية جديدة قد تدفعها إلى إعادة صياغة علاقتها بكل من واشنطن وموسكو، ضمن معادلة دقيقة بين الردع والتصعيد المحسوب.

رابعاً: هل نحن أمام بداية نهاية الوجود الأمريكي في سوريا؟

يقتضي توصيف اللحظة الراهنة الابتعاد عن المقاربات الثنائية الحادة من قبيل "البقاء" أو "الانسحاب"، إذ لا يشير التحول الحالي إلى قطيعة كاملة مع نمط الحضور السابق، بقدر ما يعكس انتقالًا تدريجيًا في فلسفة الانخراط الأمريكي. فالولايات المتحدة لا تنسحب من معادلة التأثير شرق سوريا، لكنها تعيد معايرة أدواتها عبر تقليص البصمة العسكرية المباشرة مقابل الإبقاء على آليات ردع وانتشار مرن. ويمكن توصيف هذا المسار باعتباره انتقالًا من نموذج "الهيمنة الميدانية المباشرة" إلى نموذج "الإدارة الانتقائية للنفوذ"، حيث تُدار التوازنات بأدوات أقل كلفة وأكثر اعتمادًا على الشركاء المحليين والإقليميين.

غير أن هذا النموذج يظل بطبيعته هشًا وقابلًا للاهتزاز؛ إذ إن عودة واسعة النطاق لنشاط تنظيم "داعش"، أو انزلاق التوترات الإيرانية–الإسرائيلية إلى مستوى تصعيد غير مضبوط، قد يعيد طرح الحاجة إلى تعزيز الوجود الأمريكي أو إعادة تفعيل أدوات تدخل أكثر مباشرة (U.S. Department of Defense، 2026). وبالتالي، فإن الحديث عن "مرحلة ما بعد الهيمنة" يظل مشروطًا باستمرار البيئة الأمنية ضمن حدود يمكن إدارتها، لا تفجر منطق إعادة الانتشار ذاته.

خامسًا: سيناريوهات 12–24 شهرًا - من توصيف التحول إلى اختبار مآلاته

إذا كان التحليل السابق قد سعى إلى تفكيك أبعاد التحول الأمريكي في شرق سوريا وانعكاساته على توازنات القوى الإقليمية، فإن المرحلة الراهنة تقتضي الانتقال من مستوى الوصف التفسيري إلى مستوى الاستشراف التحليلي. فالمسألة لم تعد تتعلق بتحديد طبيعة إعادة التموضع الأمريكي فحسب، بل باستكشاف الكيفية التي قد تتبلور بها نتائجه خلال الأجلين القصير والمتوسط.

ينطلق بناء السيناريوهات هنا من فرضية مفادها أن التحول الأمريكي لا ينتج فراغًا آليًا، بل يعيد توزيع عناصر القوة والردع بين الفاعلين المحليين والإقليميين. وعليه، فإن المسارات المحتملة تتحدد وفق ثلاثة متغيرات حاكمة:
(1) مدى استمرار الحضور الأمريكي ولو بصيغة منخفضة الكثافة،
(2) قدرة القوى الإقليمية على ضبط تنافسها ضمن سقف ردع متبادل،
(3) احتمالية عودة التهديدات غير الدولية، وفي مقدمتها تنظيم "داعش".

في ضوء هذه المتغيرات، يمكن تصور أربعة سيناريوهات رئيسية تتراوح بين إعادة توازن مستقر وتصعيد تنافسي واسع، مرورًا باحتمالات العودة الأمريكية الجزئية أو بلورة تفاهمات إقليمية غير معلنة:

1- سيناريو "إعادة التموضع المستقر"

يقوم هذا السيناريو على تثبيت نموذج "الحضور الأمريكي المحدود" شرق الفرات ضمن معادلة احتواء إقليمي مضبوط، بحيث تُدار المخاطر عبر مزيج من الردع الانتقائي (ضربات محدودة/قدرات استطلاع/دعم للشركاء المحليين) دون العودة إلى انخراط عملياتي واسع. في هذا الإطار، يستمر "التوازن الهش" بوصفه نتيجة لتلاقي مصالح متعارضة على تجنب الانفجار الشامل: واشنطن تخفف الكلفة وتحتفظ بأدوات التأثير، ودمشق وحلفاؤها يتجنبون اختبار حدود الردع الأمريكي، وتركيا تبقي الضغط على "قسد" تحت سقف يمنع الصدام الكبير. مؤشرات تحققه تشمل: استقرار نسبي في وتيرة الهجمات، استمرار قنوات التنسيق/فض الاشتباك، وبقاء خطوط الإمداد والتموضع دون تحولات نوعية. النتيجة المرجحة ليست "استقرارًا" بمعناه الكامل، بل إدارة ممتدة للأزمة مع قابلية دائمة للاهتزاز (Atlantic-Council، 2026).

2- سيناريو "التمدد الإيراني الشبكي منخفض الظهور"

يفترض هذا السيناريو أن تقليص البصمة الأمريكية لا ينتج فراغًا مباشرًا، بل يفتح هامشًا رماديًا يسمح لإيران باستعادة نفوذها عبر أدوات منخفضة الكلفة. غير أن هذا التمدد لا يُرجح أن يتخذ شكل تموضع عسكري كثيف، بل نمط انتشار شبكي تدريجي يقوم على: تعزيز الشبكات المحلية غير النظامية، توسيع البنى اللوجستية الصغيرة على مسارات العبور بين العراق وشرق سوريا، تثبيت نقاط إسناد مرنة تحافظ على قابلية الحركة دون خلق أهداف كبيرة مكشوفة.

الهدف هنا ليس "السيطرة على المجال"، بل استعادة حضور قابل للاستدامة تحت عتبة التصعيد المباشر. إلا أن هذا المسار يظل مقيدًا بثلاثة محددات: استمرار الضربات الإسرائيلية الوقائية، بقاء قدرة التدخل الأمريكي السريع، وحسابات روسيا المرتبطة بضبط مستوى التصعيد.

وعليه، فإن التمدد الإيراني – إن تحقق – سيأخذ طابعًا تراكميًا منخفض الظهور، لكنه يظل قابلًا للتحول إلى تصعيد أوسع إذا تجاوز سقوف الردع القائمة، بما قد يدفع إلى تشدد إسرائيلي أكبر أو تعزيز أمريكي جزئي (International-Crisis-Group، 2026).

3- سيناريو العودة الأمريكية الجزئية

يقوم هذا السيناريو على افتراض أن نموذج الحضور الأمريكي المحدود في شرق سوريا يظل قابلًا للتعديل إذا شهدت البيئة الأمنية تدهورًا ملحوظًا. فإذا تجاوزت التهديدات مستوى حرجًا - كعودة نشاط واسع النطاق لتنظيم "داعش"، أو تصاعد الهجمات المباشرة على القوات والمواقع الأمريكية، أو تراجع قدرة الشريك المحلي على ضبط الأرض - فقد تتجه واشنطن إلى تعزيز انتشارها العسكري بصورة جزئية ومدروسة.

ولا يعني ذلك استعادة نمط الانخراط الكثيف الذي ساد في مراحل سابقة، بل زيادة محددة في القدرات العملياتية، مثل تكثيف مهام الاستطلاع، أو تعزيز وحدات القوات الخاصة، أو رفع مستوى الدعم الجوي واللوجستي، بهدف استعادة قدرة الردع ومنع اتساع نطاق الفوضى. ويُفهم هذا التحرك باعتباره استجابة تكيفية لخلل أمني، وليس تحولًا استراتيجيًا شاملًا في طبيعة الوجود الأمريكي (U.S. Department of Defense، 2026).

وبذلك، تظل استدامة نموذج "الإدارة الانتقائية" مشروطة ببقاء مستوى التهديد ضمن نطاق يمكن احتواؤه دون الحاجة إلى إعادة انتشار واسع.

4- سيناريو "صفقة إقليمية صامتة" – التفاهمات الإقليمية غير المعلنة

يفترض هذا السيناريو إمكانية تبلور ترتيبات غير رسمية بين الولايات المتحدة وروسيا وإيران - وربما أطراف إقليمية أخرى - تقوم على إعادة توزيع عملي للأدوار دون إعلان اتفاق سياسي صريح. وفي هذا الإطار، قد يتم تثبيت قواعد اشتباك جديدة تُقلص احتمالات الاحتكاك المباشر، مقابل قبول ضمني بهوامش نفوذ متبادلة لكل طرف.

وقد يتجسد ذلك في ضبط وتيرة الضربات، أو إدارة أكثر تنظيمًا لمناطق التماس، أو تفاهمات غير معلنة حول حدود الانتشار والتحرك العسكري. ولا يعني هذا السيناريو تسوية شاملة للصراع السوري، بل إنتاج نمط من "الاستقرار الوظيفي" القائم على إدارة التنافس بدل حسمه. غير أن هذا النوع من الترتيبات يظل هشًا بطبيعته؛ إذ يعتمد على توازن مصالح متغير، وقد ينهار سريعًا إذا اختل أحد عناصر الردع أو وقع حادث ميداني كبير يعيد خلط الحسابات.

خاتمة

تُظهر القراءة التحليلية للتحول الأمريكي في شرق سوريا أن ما تشهده الساحة ليس انسحابًا تقليديًا بالمعنى الإجرائي، ولا تراجعًا أحاديًا عن معادلة التأثير، بل إعادة صياغة محسوبة لفلسفة الحضور الأمريكي في بيئة إقليمية متشابكة ومتعددة المستويات. فالانتقال من نموذج "التمركز الصلب" في نقاط استراتيجية مثل التنف إلى نمط "الانتشار منخفض البصمة" يعكس تحولًا من فرض التوازن عبر الوجود الميداني الكثيف إلى إدارة التوازن عبر أدوات ردع وانتشار أكثر مرونة وأقل كلفة.

لقد بين التحليل أن تقليص الدور العملياتي ترافق مع إعادة توزيع وظيفي للأعباء، تجلى في نقل جزء من ملف احتجاز عناصر تنظيم "داعش" إلى العراق، بما ينسجم مع اتجاه أوسع نحو تقاسم المسؤوليات الأمنية إقليميًا. كما أظهرت الدراسة أن البيئة الاستراتيجية في شرق سوريا باتت تُدار من خلال توازنات سائلة تتقاطع فيها اعتبارات الأمن التركي، ومقاربات الردع الإسرائيلية، إلى جانب أدوار روسيا والأردن والعراق. وبذلك، لم ينتج التحول الأمريكي فراغًا تقليديًا، بل أطلق ديناميات تنافسية جديدة أعادت توزيع عناصر القوة بين الفاعلين.

غير أن نموذج "الإدارة الانتقائية للنفوذ" يظل بطبيعته نموذجًا مشروطًا؛ إذ تعتمد استدامته على بقاء التهديدات ضمن نطاق يمكن احتواؤه دون استدعاء إعادة انتشار واسع. فأي تصعيد نوعي - سواء عبر تمدد إيراني غير مضبوط، أو تحرك تركي واسع النطاق، أو عودة ملحوظة لنشاط تنظيم "داعش" - قد يختبر حدود هذا النموذج ويعيد فتح النقاش حول كفاية الحضور الأمريكي المحدود.

وعليه، فإن شرق سوريا يقف أمام لحظة انتقالية تتجاوز بعدها المحلي، لتلامس سؤالًا أوسع يتعلق بكيفية إدارة النفوذ الأمريكي في الشرق الأوسط في مرحلة ما بعد الانخراط المكثف. فالمسألة لم تعد تتعلق بالبقاء أو الرحيل، بل بإعادة تعريف معادلة الحضور: كيف تمارس القوة تأثيرها بأقل كلفة، وكيف تُدار التوازنات دون احتكارها، وكيف يُعاد توزيع الأعباء دون التخلي عن القدرة على التدخل عند الضرورة.

وبهذا المعنى، فإن إعادة التموضع الأمريكي في شرق سوريا لا تمثل حدثًا عملياتيًا محدود الأثر، بل تعكس تحولًا أعمق في نمط إدارة القوة والنفوذ في الإقليم - تحولًا قد يشكل أحد ملامح المرحلة المقبلة من التفاعلات الإقليمية والدولية في الشرق الأوسط.


 

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء