رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

أشعر بارتياح شديد تجاه التغيير الوزاري الجديد، ليس فقط لأنه جاء في توقيت دقيق تمر فيه الدولة بتحديات اقتصادية معقدة، ولكن لأنه يحمل في طياته ملامح اهتمام واضح بالملف الاقتصادي باعتباره أولوية المرحلة. استحداث منصب نائب رئيس مجلس الوزراء للشئون الاقتصادية يعكس إدراكًا بأن الاقتصاد لم يعد مجرد قطاع من بين قطاعات، بل هو المحرك الأساسي الذي تتوقف عليه قدرة الدولة على تخفيف الأعباء عن المواطن وتحقيق الاستقرار الاجتماعي.

لكن هذا الارتياح لا يمنع من طرح السؤال الأهم: ماذا بعد الهياكل الجديدة والمناصب المستحدثة؟ الدولة نفذت خلال السنوات الماضية مشروعات كبرى في البنية التحتية والطرق والمدن الجديدة والطاقة، وسعت إلى تحسين الخدمات في قطاعات متعددة، وكلها مشروعات استهدفت في جوهرها تحسين مستوى المعيشة وتهيئة بيئة أفضل للمواطن. غير أن القيمة الحقيقية لأي مشروع تقاس بمدى انعكاسه المباشر على حياة الناس اليومية. فإذا ظل التضخم مرتفعًا وتراجع سعر صرف الجنيه وواصلت الأسعار صعودها، فإن أثر هذه المشروعات يتآكل في وعي المواطن قبل أن يلمسه في واقعه.

المشكلة التي تواجه الشارع اليوم ليست في غياب الجهد، بل في اتساع الفجوة بين الدخل والإنفاق. المعاشات على سبيل المثال لا تتناسب مع الارتفاع المستمر في الأسعار، وكثير من أصحاب المعاشات يجدون أنفسهم في سباق يومي مع احتياجات أساسية تتزايد تكلفتها شهرًا بعد شهر. عندما تلتهم موجات التضخم أي زيادة يتم إقرارها، يصبح الشعور العام أن كل خطوة إلى الأمام تقابلها خطوتان إلى الخلف. هنا تكمن التحديات الحقيقية أمام وزارة الشئون الاقتصادية الجديدة.

تحديد الاختصاصات بشكل واضح من قبل الدكتور مصطفى مدبولي، وفك الارتباط بين كيانات اقتصادية عدة ووزارة قطاع الأعمال خطوة تنظيمية مهمة، لكنها لن تكون كافية إذا لم يصاحبها تحرك عاجل للسيطرة على الأسواق وضبط الأسعار وزيادة الإنتاج المحلي لتقليل الضغط على العملة. تراجع سعر الصرف لا يبقى رقمًا في نشرات الاقتصاد، بل يتحول إلى زيادة مباشرة في أسعار الغذاء والدواء وكل سلعة مستوردة أو يدخل في تصنيعها مكون أجنبي.

الرئيس عبد الفتاح السيسي يكرر في كل مناسبة تقريبًا توجيهاته بضرورة مراعاة ظروف الناس وتخفيف الأعباء المعيشية عنهم. هذه التوجيهات لم تكن يومًا مجرد عبارات إنشائية، بل جاءت مصحوبة بمبادرات وبرامج حماية اجتماعية وزيادات في الأجور والمعاشات. لكن التحدي الآن أن كل هذه الجهود مهددة، بل ضاعت آثارها، مع استمرار التضخم الكبير في التهام أي تحسن. ما قيمة زيادة في المعاش إذا كانت أسعار السلع الأساسية ترتفع بوتيرة أسرع من أي زيادة مقررة؟

الدولة أطلقت مبادرات ضخمة لتحسين حياة المواطنين في الريف والحضر، ووسعت شبكات الحماية الاجتماعية، وعملت على تطوير منظومة الصحة والتعليم. غير أن المواطن البسيط يقيس النجاح بمعيار بسيط: هل يكفي دخلي احتياجات أسرتي أم لا؟ إذا كانت الإجابة بالنفي، فإن أي إنجاز آخر مهما كان حجمه سيفقد بريقه في نظره. لذلك فإن التغيير الوزاري الجديد مطالب بأن يضع مسألة استقرار الأسعار وتعزيز القوة الشرائية للمواطن في صدارة أولوياته، لا باعتبارها بندًا ضمن بنود كثيرة، بل باعتبارها الهدف الذي تدور حوله بقية السياسات.

الاهتمام ببناء الحجر مهم، لكن بناء الإنسان أهم. بناء الإنسان لا يتحقق فقط بمدارس جديدة أو مستشفيات مطورة، بل بقدرة هذا الإنسان على أن يعيش بكرامة دون قلق دائم من الغد. الأمن الاقتصادي هو الأساس الذي تستند إليه كل خطط التنمية. وإذا شعر المواطن أن دخله يتآكل وأن معاشه لم يعد يكفي دواءه وغذاءه، فإن الإحباط يتسلل مهما كانت الصورة العامة للمشروعات واعدة.

من هنا فإن وزارة الشئون الاقتصادية مطالبة بأن تتحرك بعقلية إدارة أزمة ممتدة، لا بعقلية إدارة ملفات تقليدية. المطلوب رؤية شاملة تعالج أسباب التضخم، وتدعم الإنتاج المحلي، وتشجع الاستثمار الحقيقي في الصناعة والزراعة، وتعيد التوازن بين السياسات المالية والنقدية بما يخفف الضغط على الجنيه. المطلوب أيضًا مراجعة منظومة المعاشات بصورة دورية تضمن ارتباطها بمعدلات الأسعار الحقيقية، حتى لا يصبح أصحاب المعاشات الحلقة الأضعف في معادلة الإصلاح.

إن نجاح هذا التغيير الوزاري لن يقاس بعدد الاجتماعات أو البيانات، بل بمدى شعور المواطن بأن هناك تحسنًا ملموسًا في حياته. عندما يذهب إلى السوق فيجد الأسعار مستقرة، وعندما يتقاضى معاشه أو راتبه فيشعر أنه يغطي احتياجاته الأساسية، عندها فقط يمكن القول إن كل التوجيهات وكل المشروعات قد آتت ثمارها. أما إذا ظل التضخم يبتلع أي زيادة، وتراجع سعر الصرف يفرض واقعًا أكثر قسوة، فإن الجهد المبذول سيبقى ناقص الأثر.

نحن بحاجة إلى لحظة اقتصادية جديدة تعيد ترتيب الأولويات بوضوح، وتجعل كرامة المواطن المعيشية الهدف الأول. التغيير الوزاري خطوة على الطريق، لكنه لن يكتمل إلا إذا أدرك أن المعركة الحقيقية اليوم هي معركة الأسعار والدخل والقوة الشرائية. حينها فقط سيتحول الارتياح الذي نشعر به إلى ثقة راسخة بأن الدولة لا تبني المشروعات فحسب، بل تبني إنسانًا قادرًا على الاستفادة منها والعيش في ظلها بكرامة واستقرار.

وفي النهاية يبقى الاستماع إلى توجيهات الرئيس عبد الفتاح السيسي أمرًا شديد الأهمية، لكن الأهم من الاستماع هو التحويل الصادق لهذه التوجيهات إلى سياسات يومية يشعر بها المواطن في تفاصيل حياته. لقد استمعت كثيرًا، كما استمع غيري، إلى تأكيداته المتكررة منذ توليه المسؤولية على ضرورة رعاية الناس وتخفيف الأعباء عنهم، وعلى أن المواطن هو الغاية والهدف من كل إصلاح. غير أن الفجوة بين التوجيه والتنفيذ ظلت في بعض اللحظات مثار تساؤل، خاصة حين انشغلت الحكومة بمسار يركز بقوة على بناء البنية التحتية، وهو مسار مهم بلا شك، لكنه لا يغني وحده عن بناء الإنسان.

بناء الطرق والمدن والمشروعات القومية يصنع إطارًا حديثًا للدولة، أما بناء الإنسان فيصنع روحها وقدرتها على الاستمرار. الإنسان الذي يملك دخلًا كافيًا، وتعليمًا جيدًا، ورعاية صحية لائقة، وشعورًا بالأمان الاقتصادي، هو وحده القادر على حماية ما يُبنى من حجر وعلى تعظيم عوائده. أما إذا ظل يرزح تحت وطأة الغلاء وتآكل الدخل، فإن أي إنجاز عمراني يفقد معناه الاجتماعي.

الحكومة في ثوبها الجديد أمام فرصة حقيقية لتصحيح المسار، ليس بإلغاء ما تحقق، بل بإعادة ترتيب الأولويات بحيث يصبح تحسين مستوى المعيشة هدفًا يوميًا لا شعارًا موسميًا. المطلوب أن تتلاقى التوجيهات الرئاسية مع الأداء التنفيذي على أرض الواقع، وأن تتحول العبارات المتكررة عن مراعاة الناس إلى قرارات جريئة تضبط الأسواق، وتحمي المرتبات والمعاشات، وتدعم الفئات الأكثر احتياجًا.

عندها فقط يمكن أن نقول إن الدولة لا تبني جمهورية جديدة في شكلها فقط، بل في جوهرها أيضًا. جمهورية يكون عنوانها الإنسان أولًا، والكرامة المعيشية أولًا، والعدالة الاجتماعية أولًا. وحين يشعر المواطن بأن صوته مسموع وأن معاناته حاضرة في قلب القرار، سيتحول الصبر إلى طاقة أمل، ويتحول الإصلاح من عبء ثقيل إلى مشروع وطني يشارك فيه الجميع بثقة واقتناع.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء