رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

رسائل روبيو.. قراءة في ملامح العصر الأمريكي الجديد مع أوروبا

وزير الخارجية الامريكي
وزير الخارجية الامريكي - مارك روبيو

يترأس وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو وفدًا رفيع المستوى بمؤتمر ميونيخ للأمن، في محاولة لتهدئة القلق الأوروبي المتصاعد تجاه تقلبات واشنطن السياسية، على خلفية ضغوط الرئيس دونالد ترامب وتهديداته التي هزت أركان الحلف الأطلسي، إذ يبرز روبيو كدبلوماسي يسعى لترميم التصدعات مع الحلفاء الأوروبيين.

تأتي هذه الزيارة بعد عام من الأزمة التي أحدثها نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس بهجومه الحاد على الحلفاء واتهامهم بالتقصير الدفاعي، ورغم تبني الوزير الأمريكي نهجًا أقل حدة، إلا أنه لا ينفصل كثيرًا عن خطاب دي فانس، فهو يروج لعصر جديد في الجغرافيا السياسية ينهي زمن العمل كالمعتاد، بحسب وصفه.

أرشيفية 
أرشيفية 

استخدم روبيو لغة مطمئنة قبل مغادرته، واصفًا أوروبا بأنها مهمة للأمريكيين ومرتبطة بهم ثقافيًا وتاريخيًا، لكنه ربط هذا التواصل بضرورة إعادة تقييم شكل التحالفات لمواجهة المتغيرات العالمية.

تتركز محادثات وزير الخارجية الأمريكي على ملفات شائكة تتصدرها أوكرانيا والشرق الأوسط، بالإضافة إلى الخطر الصيني الذي تسعى واشنطن لتحشيد الموقف الأوروبي ضده، بالإضافة إلى إقناع الحلفاء بعدم التراجع عن المطالب الأمريكية بزيادة الإنفاق الدفاعي والاستقلالية الأمنية، مما يجعل زيارته اختبارًا حقيقيًا لمستقبل العلاقات الأطلسية في ظل التنافس الدولي الحالي.

إليك صياغة المحاور بأسلوب تحليلي معمق، يركز على الأبعاد الاستراتيجية وما وراء التصريحات الرسمية، مع استخدام مصطلح "الأمريكي":

تبديل الأدوار الدبلوماسية
يعكس اختيار ماركو روبيو لتمثيل واشنطن في ميونيخ تحولًا ذكيًا في التكتيك الأمريكي بعد الصدامات الحادة التي أثارها جيه دي فانس العام الماضي، إذ أدركت واشنطن أن لغة التهديد المباشر قد تدفع الحلفاء نحو استقلالية استراتيجية متطرفة أو الارتماء في أحضان القوى الشرقية، لذا جاء روبيو ليعيد ربط أوروبا بالهوية الثقافية الأمريكية قبل الدخول في الملفات الشائكة.

الرسائل الهادئة التي بعثها وزير خارجية أمريكا تمثل إعادة تغليف للمطالب الصعبة باستخدام تكتيك الدبلوماسية الهادئة باعتبارها أكثر قدرة على تفكيك الممانعة الأوروبية من الهجوم اللفظي.

أرشيفية 
أرشيفية 


ومن خلال التركيز على المشتركات التاريخية، يحاول روبيو عزل الأصوات الأوروبية المنادية بالانفصال عن المظلة الأمريكية، موهمًا الحلفاء بأن الهدنة ممكنة، بينما يظل الجوهر السياسي لواشنطن ثابتًا في انتهاج مبدأ أمريكا أولًا ولكن بأسلوب أقل حدة.
وتمثل هذه الجولة التي تستهدف ألمانيا وسلوفاكيا والمجر محاولة أمريكية لإعادة إدارة التوقعات؛ فبدلًا من الصدام مع النخب الأوروبية، يسعى روبيو لاحتوائهم داخل إطار من الحوار الودي الذي يسهل عملية الضغط لاحقًا، كمحاولة لكسب الوقت وإعادة ترتيب البيت الأطلسي وفقًا للرؤية الجديدة لواشنطن، مع ضمان عدم حدوث صدام علني يضعف هيبة التحالف أمام الخصوم الدوليين كالصين وروسيا.

تفكيك المسلمات الأطلسية
يلوح روبيو في تصريحاته بالعصر الجديد في الجغرافيا السياسية، وهو ما يعكس رغبة أمريكية جادة في هدم القواعد التقليدية التي حكمت العلاقات منذ نهاية الحرب العالمية الثانية؛ فالصيغة القديمة التي تضمن حماية أمريكية كاملة مقابل تبعية أوروبية لم تعد مجدية اقتصاديًا أو سياسيًا لواشنطن، لذا فإن رسالة روبيو "لن تسير الأمور كالمعتاد" هي إعلان غير رسمي عن تحول الناتو من تحالف قيمي مطلق إلى شراكة تعاقدية قائمة على تقاسم الأعباء والنتائج.

بالإضافة إلى ما سبق، يدفع الجانب الأمريكي نحو واقع جيوسياسي تكون فيه أوروبا هي خط الدفاع الأول عن نفسها، مما يسمح لواشنطن بالتفرغ لمنافساتها الكبرى في المحيط الهادئ؛ ما يعني أن المؤتمر يُعتبر منصة للمطالبة بإعادة صياغة كاملة للهوية الدفاعية الأوروبية لتتواءم مع الأولويات الاستراتيجية الأمريكية الجديدة، وهو ما يمثل تحديًا لسيادة القرار في العواصم الأوروبية الكبرى.
هذا التوجه يهدف إلى تقليص الاعتمادية الأوروبية التي باتت تمثل عبئًا على الخزانة والسياسة الأمريكية، مما يفرض على أوروبا إما القبول بشروط واشنطن الجديدة أو مواجهة المجهول الأمني في ظل بيئة دولية شديدة الاضطراب.

أرشيفية 
أرشيفية 

الاصطفاف الإجباري ضد الصين
يظهر ملف الصين كأكبر اختبار ولاء للحلفاء الأوروبيين؛ فواشنطن تخشى أن تنجح بكين في ملء الفراغ الناتج عن التوترات الأطلسية؛ لذلك يسعى روبيو لرسم خطوط حمراء واضحة خلال وجوده في ميونيخ، معتبرًا أن أي تقارب اقتصادي أوروبي-صيني يمثل ثغرة أمنية في جدار التحالف الغربي.
الهدف هنا هو تحويل القلق الأوروبي من واشنطن إلى خوف من الاستغلال الصيني، وبالتالي إجبار أوروبا على الاصطفاف خلف الاستراتيجية الأمريكية للمواجهة الاقتصادية والتكنولوجية.

أما في ملفي أوكرانيا والشرق الأوسط، فتطرح واشنطن رؤية تتطلب من أوروبا انخراطًا ماديًا وسياسيًا أكبر، تمهيدًا لتقليص الدور الميداني الأمريكي. هذا التنسيق الذي يدعو إليه الوزير ليس تعاونًا متكافئًا بقدر ما هو تفويض بالمسؤولية تحت إشراف واشنطن، مما يضمن بقاء المصالح الاستراتيجية الأمريكية مؤمَّنة دون الحاجة لاستنزاف مواردها الذاتية بشكل مباشر ومستمر.

ومن خلال دمج الملفات الأمنية والاقتصادية، تسعى واشنطن لربط الأمن الأوروبي بمدى ابتعاد القارة عن بكين؛ فتجد القارة العجوز نفسها مضطرة للتضحية بعلاقاتها التجارية الحيوية مع الصين لضمان استمرار الدعم الأمني الأمريكي، وهو جوهر المعادلة الجديدة التي يحملها روبيو في حقيبته.

واشنطن وتعزيز الخيارات البديلة
لا يمكن فصل زيارة روبيو لميونيخ عن محطتيه التاليتين في المجر وسلوفاكيا؛ فهذا المسار يمثل حركة التفاف دبلوماسية على مراكز القرار التقليدية في بروكسل وباريس وبرلين، والتوجه نحو الحكومات المحافظة والسيادية في شرق أوروبا باعتبارهم شركاء أكثر انسجامًا مع رؤية إدارة ترامب، وهو ما يساهم في خلق توازن قوى جديد داخل القارة يضعف جبهة المعارضة لسياسات واشنطن.

أرشيفية 
أرشيفية 

هذه الخطوة تشير إلى أن الجانب الأمريكي لم يعد يراهن على وحدة الموقف الأوروبي إذا كانت هذه الوحدة ستعيق أجندته، بل على العكس، يسعى روبيو لتعزيز المحاور الموازية التي تتبنى خطابًا قوميًّا ودفاعيًّا متوافقًا مع العصر الجديد.
هذا التقارب مع بودابست وبراتيسلافا يرسل إشارة قوية لميونيخ بأن واشنطن لديها خيارات بديلة، وأنها مستعدة للتعامل مع أوروبا كأجزاء متفرقة بدلًا من كتلة واحدة إذا لم تخضع الأخيرة للشروط الأمريكية.

ختامًا:
في نهاية المطاف، تعكس هذه الاستراتيجية رغبة واشنطن في تفتيت الضغوط؛ فمن خلال دعم الأطراف الأكثر مرونة تجاه السياسات الأمريكية، يمارس روبيو ضغطًا غير مباشر على القوى الكبرى في الاتحاد الأوروبي للرضوخ أو المخاطرة بعزلة داخل قارتهم، لضمان بقاء الهيمنة الأمريكية عبر تحالفات منتقاة بدلًا من الالتزامات الجماعية المرهقة.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء