مصر والأمم المتحدة.. 80 عاما من الاعتراف بدور القاهرة المتوازن في محيطها الإقليمي والدولي
كانت مصر من أوائل الدول التي أدركت أهمية تأسيس نظام دولي جديد يقوم على التعاون والسلام بعد الحرب العالمية الثانية، فكانت ضمن الدول الـ51 المؤسسة للأمم المتحدة، وبدأت عضويتها في المنظمة منذ لحظة ميلادها في 24 أكتوبر 1945.
على مدار العقود التالية، التزمت السياسة المصرية بمبادئ الأمم المتحدة وسعت إلى تعزيز دورها في صون السلم والأمن الدوليين، وتنمية العلاقات الودية بين الشعوب، ودعم جهود التنمية الاجتماعية وحقوق الإنسان. وقد مثل مصر في المنظمة سفراء ومندوبون دائمون بمقر الأمم المتحدة في نيويورك وجنيف، إلى جانب حضور رؤساء ووزراء خارجية مصريين لاجتماعات الجمعية العامة لعرض المواقف المصرية تجاه القضايا الإقليمية والدولية.
ولعل أبرز تقدير دولي لمكانة مصر كان انتخاب الدكتور بطرس بطرس غالي أمينًا عامًا للأمم المتحدة عام 1992، في خطوة مثلت اعترافًا عالميًا بدور القاهرة المتوازن في محيطها الإقليمي والدولي. كما برز لاحقًا ترشيح وزير الثقافة الأسبق فاروق حسني لتولي منصب مدير عام اليونسكو عام 2009، وحصوله على المركز الثاني.
المشاركة المصرية في حفظ السلام
تعد مصر من أكبر المساهمين في قوات حفظ السلام الأممية، حيث شاركت منذ ستينيات القرن الماضي في 37 مهمة داخل 24 دولة بأفريقيا وآسيا وأوروبا وأمريكا اللاتينية، بإجمالي يقارب 30 ألف ضابط وجندي.
بدأت المشاركة المصرية عام 1960 في الكونغو، وتواصلت في مناطق متعددة مثل سراييفو، كوت ديفوار، الصومال، أنغولا، أفريقيا الوسطى، دارفور، والكونغو الديمقراطية. وإلى جانب القوات الميدانية، أسست مصر عام 1995 مركز القاهرة للتدريب على حل النزاعات وحفظ السلام في أفريقيا، الذي يستقبل سنويًا مئات المتدربين من مختلف الدول الأفريقية، مما عزز مكانة مصر كشريك أساسي في جهود السلم بالقارة.
مصر في مجلس الأمن
انتُخبت مصر ست مرات عضواً غير دائم في مجلس الأمن، كان آخرها خلال عامي 2016 – 2017، حيث تولت رئاسة المجلس مرتين وقدمت إسهامات بارزة في مناقشة القضايا الدولية، خاصة مكافحة الإرهاب. كما لعبت دورًا في إدراج قضية محاربة التنظيمات المتطرفة ومنع تمويلها على أجندة المجلس، وقدمت مبادرات غير مسبوقة لتطوير نظام العقوبات الدولي.
مبادرات مصر للسلم والأمن الدوليين
انطلاقًا من حرصها على تحقيق الاستقرار، طرحت مصر مبادرات مهمة، أبرزها الدعوة إلى إخلاء الشرق الأوسط من أسلحة الدمار الشامل، ومشروع قرار لمنع وصول الأسلحة إلى التنظيمات الإرهابية. وفي خطابات الرئيس عبد الفتاح السيسي أمام الجمعية العامة منذ عام 2014، ركزت مصر على قضايا مثل مكافحة الإرهاب، استغلال طاقات الشباب، والتنمية المستدامة.
الأمم المتحدة في مصر
تحتضن القاهرة واحدًا من أكبر تجمعات وكالات وبرامج الأمم المتحدة في المنطقة، حيث يعمل بها 23 وكالة وصندوقًا وبرنامجًا مقيمًا، منها: برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، منظمة الصحة العالمية، اليونيسف، اليونسكو، برنامج الأغذية العالمي، وهيئة الأمم المتحدة للمرأة، والمفوضية السامية لشؤون اللاجئين، إلى جانب مكاتب اتصال لعدد من المنظمات كالأونروا. وتعمل هذه المكاتب بالتنسيق مع الحكومة المصرية في مجالات التنمية، الصحة، التعليم، دعم اللاجئين، ومواجهة الكوارث.
رؤية مصر لإصلاح الأمم المتحدة
تتبنى مصر رؤية واضحة تدعو إلى إصلاح شامل للمنظمة الدولية بما يضمن استقلاليتها وحيادها، مع التركيز على توسيع مجلس الأمن لزيادة تمثيل الدول النامية. وتستند القاهرة في مطالبتها بمقعد دائم داخل المجلس إلى مجموعة من المؤهلات، من بينها:
• دورها التاريخي في دعم حركات التحرر.
• مكانتها كدولة محورية ذات انتماءات عربية وأفريقية ومتوسطية وآسيوية.
• قوة جيشها ومشاركاتها الواسعة في حفظ السلام.
• ثقلها الدبلوماسي والاقتصادي في القارة الأفريقية.
• استضافتها لمؤتمرات دولية بارزة مثل مؤتمر السكان والتنمية (1994) ومؤتمر منع الجريمة (1995).
ويأتي التحرك المصري متوافقًا مع إعلان سرت عام 2005 الذي أكد حق أفريقيا في الحصول على مقعدين دائمين في مجلس الأمن مع حق النقض، وخمسة مقاعد غير دائمة.
فمنذ تأسيس الأمم المتحدة وحتى اليوم، جسدت مصر نموذجًا للدولة الفاعلة التي تسعى إلى السلام والتنمية، وتشارك بجدية في صياغة القرارات الدولية، سواء من خلال قواتها في حفظ السلام، أو عبر حضورها السياسي والدبلوماسي النشط، مما يجعلها مرشحة طبيعية لشغل مقعد دائم في مجلس الأمن مستقبلًا
