ناجي الشهابي: لا إصلاح مؤسسي دون مجالس محلية منتخبة| حوار
في ظل الحديث المتزايد عن استكمال مسار الإصلاح المؤسسي وتعزيز المشاركة الشعبية، يعود ملف تشكيل المجالس المحلية إلى صدارة المشهد السياسي باعتباره أحد الاستحقاقات الدستورية المهمة، وركيزة أساسية في دعم اللامركزية وتعزيز الرقابة الشعبية على الأداء التنفيذي، بما يسهم في تحسين الخدمات وترسيخ الثقة بين المواطن والدولة.
وفي هذا السياق، يوضح النائب ناجي الشهابي، رئيس حزب الجيل الديمقراطي وعضو مجلس الشيوخ، الدور الذي يمكن أن تؤديه هذه المجالس كـ«خط دفاع» يحمي المواطن من الشائعات عبر نقل المعلومات الدقيقة بشفافية، والضمانات التشريعية الكفيلة بتمكينها من أداء دورها الرقابي والتنفيذي وتخفيف العبء عن الحكومة المركزية، فضلًا عن أسباب اعتبار توقيت تشكيلها الآن «ضرورة عاجلة» تفرضها التحديات الراهنة ومتطلبات استكمال البناء المؤسسي للدولة.
تشكيل المجالس المحلية لم يعد ترفًا سياسيًا
وقال «الشهابي»، في حوار لـ«إيجبتك»، إن الحديث عن تشكيل المجالس المحلية اليوم لم يعد ترفًا سياسيًا، بل أصبح ضرورة وطنية عاجلة، وضرورة دستورية مكتملة الأركان، تمس صميم استقرار الدولة وبنيانها المؤسسي، فالمحليات ليست مجرد مستوى إداري، وإنما ركيزة من ركائز الحكم الرشيد، وأحد أهم خطوط الدفاع الداخلي عن المجتمع.
كيف تعمل المجالس المحلية كـ«خط دفاع» يحمي المواطن من الشائعات؟
الشائعة لا تنشأ في الفراغ، بل تزدهر حين تغيب المعلومة الدقيقة، وحين يشعر المواطن بأن صوته بعيد عن دوائر القرار، وهنا تأتي أهمية المجلس المحلي المنتخب، القريب من المواطنين، الذي يعرف تفاصيل حياتهم اليومية، ويستطيع نقل الحقيقة بسرعة وشفافية.
فالمجلس المحلى يمثل:
- حلقة اتصال مباشرة بين المواطن والجهاز التنفيذي.
- منصة مساءلة علنية للمسئولين المحليين.
- قناة رسمية لتوضيح الحقائق واحتواء الأزمات قبل تضخمها.
إن كثيرًا من الشائعات تبدأ من مشكلات خدمية محدودة: انقطاع مياه، أزمة خبز، تأخر مشروع، إزالة، أو سوء فهم قرار إداري. وعندما لا يجد المواطن تفسيرًا واضحًا أو جهة قريبة تشرح له الحقيقة، تتحول الفجوة المعلوماتية إلى بيئة خصبة للتأويل والبلبلة، فوجود مجلس محلي منتخب يعنى وجود جهة رقابية قريبة، قادرة على التدخل السريع، وطلب الإحاطة، ومناقشة المسئول التنفيذي علنًا، ونقل المعلومة الصحيحة إلى المواطنين.
ومن هنا فإن المحليات تمثل خط الدفاع الأول في «معركة الوعي» التي تخوضها الدولة اليوم.
ما الضمانات التشريعية لنجاحها في تخفيف العبء عن الحكومة؟
نجاح المحليات لا يتحقق بمجرد إجراء الانتخابات، بل يتطلب ضمانات تشريعية حقيقية، أهمها:
صلاحيات واضحة ومؤثرة
- نقل اختصاصات فعلية للوحدات المحلية في ملفات الخدمات والمرافق والتنمية، حتى لا تظل كل التفاصيل اليومية مرهونة بالقرار المركزي.
أدوات رقابية مكتملة
- تمكين عضو المجلس المحلى من أدوات السؤال، وطلب الإحاطة، والبيان العاجل، والاستجواب، وفق ضوابط قانونية دقيقة، بما يحقق رقابة مؤسسية منظمة.
استقلال مالي وإداري نسبي
- إتاحة مناقشة الموازنات المحلية ومتابعة أوجه الإنفاق، بما يعزز كفاءة توزيع الموارد.
تنظيم العلاقة مع الجهاز التنفيذي
- وضع نصوص واضحة تضبط العلاقة بين المجلس والمحافظ ورؤساء الوحدات المحلية، بما يمنع التضارب ويضمن التعاون في خدمة المواطن.
فإن هذه الضمانات ستؤدى إلى تخفيف العبء عن الحكومة المركزية، لأن المشكلات اليومية سيتم حلها في نطاقها الطبيعي محليًا، بدل تصعيدها إلى مستويات عليا، وهو ما يرفع كفاءة الأداء العام ويعزز سرعة الاستجابة.
لماذا أصف توقيت تشكيلها الآن بـ «الضرورة العاجلة»؟
إن الضرورة العاجلة تنبع من:
- تراكم التحديات الخدمية في بعض المناطق نتيجة غياب الرقابة الشعبية المباشرة.
- حاجة الدولة إلى توسيع قاعدة المشاركة السياسية وإعداد كوادر جديدة.
- الظروف الإقليمية الدقيقة التي تتطلب جبهة داخلية متماسكة ومجتمعًا مطمئنًا ومشاركًا.
وكل تأخير إضافي يعنى استمرار فجوة رقابية محلية، وهو ما لا يتسق مع مسار الإصلاح المؤسسي الذى تتبناه الدولة.
ولماذا هي «ضرورة دستورية»؟
إن دستور يناير 2014 لم ينص على الإدارة المحلية باعتبارها مرفقًا إداريًا تابعًا، بل كأحد مكونات السلطة التنفيذية ذاتها، وأن السلطة التنفيذية في مصر وفق البناء الدستوري تتكون من ثلاثة أفرع رئيسية:
- الفرع الأول: رئيس الجمهورية.
- الفرع الثاني: الحكومة.
- الفرع الثالث: الإدارة المحلية.
الإدارة المحلية تنقسم إلى شقين متكاملين:
- الأول: الأجهزة التنفيذية المحلية في القرى والمدن والمراكز والمحافظات.
- والثاني: المجالس المحلية المنتخبة على أربعة مستويات: مستوى المجمع القروى، ومستوى الحى أو المركز والمدينة، ومستوى المحافظة.
فغياب المجالس المحلية المنتخبة يعنى أن أحد الشقين المكملين لبنية الإدارة المحلية غير قائم، وبالتالي فإن السلطة التنفيذية في مصر لم تستكمل مقوماتها الدستورية كاملة، فوجود الأجهزة التنفيذية وحدها دون المجالس المنتخبة يفقد منظومة الإدارة المحلية عنصر الرقابة الشعبية الذى قصده الدستور.
وأن احترام الدستور لا يكون بالإقرار النظري به، بل بتفعيل نصوصه واستكمال مؤسساته. ومن ثم فإن تشكيل المجالس المحلية ليس خيارًا سياسياً مؤجلًا، بل التزامًا دستوريًا واجب التنفيذ، يكتمل به البناء المؤسسي للدولة.
هل المجالس المحلية المنتخبة عبئًا على الدولة؟
المجالس المحلية المنتخبة ليست عبئًا على الدولة، بل سندًا لها، وليست خصمًا للحكومة، بل شريكًا رقابيًا وتنمويًا، وأن تشكيلها اليوم يمثل ضرورة عاجلة بحكم الواقع، وضرورة دستورية بحكم النص، وخطوة استراتيجية لتعزيز الثقة بين المواطن والدولة، «المحليات ليست تفصيلًا إداريًا، بل ركيزة استقرار، ومدرسة ديمقراطية، وخط دفاع أول عن المجتمع، واستكمال حقيقي للبناء الدستوري للدولة المصرية».

