رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

شكّل إطلاق الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان عام 2021 تحولًا غير مسبوق في مقاربة الدولة للملف الحقوقي، إذ للمرة الأولى جرى التعامل معه من خلال وثيقة شاملة ذات إطار زمني محدد ونتائج مستهدفة واضحة. وقد عكست هذه المبادرة إدراكًا على مستوى القيادة السياسية بأن مرحلة ما بعد انحسار التحديات الأمنية الكبرى ومخاطر الإرهاب تقتضي الانتقال التدريجي نحو ترسيخ البعد المؤسسي للإصلاح، بما يوازن بين متطلبات الاستقرار وأولويات الإصلاح الحقوقي.

 

 كما دلّ إطلاق الاستراتيجية على وعي بأهمية إدماج ملف حقوق الإنسان ضمن منظومة السياسات العامة للدولة، لا باعتباره استجابة ظرفية لضغوط خارجية، بل باعتباره أحد مكونات بناء الدولة الحديثة وتعزيز ثقة المجتمع في مسارها التنموي والإصلاحي.

ولا يأتي تبني هذا النهج في فراغ، إذ تتسق الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان مع التوجهات الدولية التي أرساها إعلان وبرنامج عمل فيينا الصادر عن المؤتمر العالمي لحقوق الإنسان عام 1993، والذي أكد أهمية إعداد الدول لخطط وطنية شاملة لتعزيز وحماية حقوق الإنسان وفق خصوصياتها الوطنية.

 

 وفي هذا الإطار، يمكن النظر إلى التجربة المصرية باعتبارها ترجمة عملية لهذا التوجه، من خلال صياغة إطار وطني منظم يربط المبادئ العامة بالسياسات التنفيذية على نحو يتلاءم مع السياق التنموي والمؤسسي للدولة.

مع اقتراب انتهاء الإطار الزمني للاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان (2021–2026)، وتوجيه الرئيس عبد الفتاح السيسي بإعداد نسختها الثانية، لا يبدو الأمر مجرد تجديد لخطة وطنية، بقدر ما يعكس انتقالًا من مرحلة التأسيس المرحلي إلى مرحلة الاستدامة. فالنسخة الأولى جاءت في سياق إدماج ملف حقوق الإنسان ضمن أولويات الدولة التنموية، باعتباره جزءًا من مفهوم أشمل يرتبط بجودة حياة المواطن وتعزيز كرامته الإنسانية، لا باعتباره مسارًا منفصلًا عن سياسات الإصلاح الاقتصادي والاجتماعي.

وخلال السنوات الماضية، مثّلت الاستراتيجية إطارًا منظمًا تحققت من خلاله منجزات في مجالات الحماية الاجتماعية وتمكين المرأة ورعاية الطفل وتطوير الأطر التشريعية المرتبطة بمنظومة العدالة. ومع ذلك، فإن طبيعة هذا الملف تظل تراكمية بطبيعتها، إذ تتطلب مراحله المتعاقبة أدوات مختلفة تتجاوز الإقرار التشريعي إلى ترسيخ الممارسات المؤسسية وتوسيع دوائر المشاركة المجتمعية. ومن هنا تأتي أهمية النسخة الثانية، ليس فقط لاستكمال ما بدأ، بل لإعادة ترتيب الأولويات وفق ما أفرزته التجربة العملية خلال السنوات الخمس الماضية.

ومع اقتراب انتهاء الإطار الزمني للاستراتيجية الحالية، تبرز أهمية إجراء مراجعة موضوعية لما لم يتحقق من مستهدفاتها، ليس باعتباره إخفاقًا، بقدر ما هو جزء طبيعي من عملية التخطيط المرحلي. فتوثيق الفجوات التنفيذية وتحديد أسبابها سيوفّر قاعدة عملية لصياغة النسخة التالية من الاستراتيجية بصورة أدق. كما أن إدراج هذه الأهداف التي لم تتحقق بشكل كامل ضمن الاستراتيجية الجديدة يضمن استمرارية المسار الإصلاحي وتراكميته، ويحوّل الخبرة المتحصلة من التطبيق إلى مدخل لتطوير السياسات، بما يعزز واقعية الأهداف وقابليتها للقياس والتنفيذ في المرحلة المقبلة.

ومن هذا المنطلق، تبرز الحاجة إلى أن تتضمن الاستراتيجية المقبلة خططًا تنفيذية أكثر تفصيلًا، تُحدد بوضوح الجهات المسؤولة وجداولها الزمنية ومؤشرات قياس الأداء. فالتجربة السابقة أظهرت أن وضوح الإطار العام لا يكتمل أثره دون آليات تطبيق محددة تسمح بمتابعة التقدم وتقييمه بصورة دورية. وإدراج هذه الخطط لا يعني تعديل الأهداف، بقدر ما يعزز قابلية ترجمتها إلى إجراءات عملية، ويُسهّل التنسيق بين المؤسسات المختلفة، بما يضمن انتقال الاستراتيجية من مستوى التوجيه العام إلى مستوى الإدارة التنفيذية الفعّالة.

كما أن استمرار التفاعل الإيجابي مع آليات حقوق الإنسان الدولية، في إطار الالتزامات التعاهدية لمصر، يمثل عنصر دعم مهم لعملية التطوير، إذ يتيح الاستفادة من الخبرات المقارنة وتحديد أولويات أكثر دقة تتسق مع الاحتياجات الوطنية. وفي السياق ذاته، تكتسب عملية توسيع الحوار المجتمعي حول إعداد الاستراتيجية الجديدة أهمية خاصة، من خلال إشراك منظمات المجتمع المدني والنقابات والجهات الأكاديمية والأطراف المعنية على نحو أوسع، بما يعزز الشعور بالملكية المشتركة للاستراتيجية ويرسخ قابلية تطبيقها عمليًا على أرض الواقع.

ومع التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم، تبرز تحديات مستجدة لم تكن مطروحة بالزخم ذاته عند إطلاق النسخة الأولى، وفي مقدمتها تأثيرات التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي على مفاهيم الخصوصية وحماية البيانات والعدالة في الوصول إلى الخدمات والفرص. ومن ثمّ، فإن إدراج هذه القضايا ضمن أولويات الاستراتيجية الجديدة يكتسب أهمية خاصة لضمان مواكبة الأطر الوطنية للتطورات التكنولوجية، وبما يحافظ على التوازن بين تشجيع الابتكار وصون الحقوق الأساسية للمواطنين.

وبذلك، تمثل النسخة الثانية من الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان فرصة للبناء على ما تحقق وترسيخ ما أفرزته التجربة من دروس عملية، في إطار مسار إصلاحي يتسم بالتدرج والاستمرارية. فتعزيز الآليات التنفيذية، وتوسيع المشاركة المجتمعية، والاستفادة من الخبرات المتراكمة، جميعها عناصر يمكن أن تدفع بالاستراتيجية إلى مرحلة أكثر نضجًا وفاعلية. ومع توافر الإرادة المؤسسية وتكامل الجهود بين مختلف الأطراف، تبدو المرحلة المقبلة مؤهلة لترجمة المبادئ إلى ممارسات أكثر رسوخًا، بما يدعم استقرار المجتمع ويعزز ثقة المواطن في مسار التطوير الشامل.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء