رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

يشهد النظام الدولي في العقد الأخير تحوّلًا واضحًا من نموذج “السلام الليبرالي” القائم على المؤسسات والتشابك الاقتصادي، إلى نموذج أكثر صراحة يقوم على الردع الصلب وإعادة الاعتبار للقوة العسكرية كأداة مركزية لحفظ النظام.

 

هذا التحول لا يُقرأ فقط في سياق الحرب في أوكرانيا أو التنافس الأمريكي–الصيني، بل في الخطاب السياسي الأمريكي ذاته، خصوصًا لدى دونالد ترامب، الذي يطرح مفهوم “السلام عبر القوة” باعتباره مبدأً حاكمًا للسياسة الخارجية.

منظور “السلام عبر القوة” ليس جديدًا في الفكر الاستراتيجي الأمريكي. جذوره تعود إلى تقاليد واقعية واضحة، وبرز بقوة في حقبة رونالد ريغان خلال الحرب الباردة، حيث ارتبط بتعزيز القدرات العسكرية ورفع تكلفة المواجهة على الخصم لضمان الردع.

 

 الفرضية الأساسية هنا تنطلق من منطق نظرية الردع: السلام يتحقق عندما يدرك الخصم أن كلفة العدوان تفوق مكاسبه المحتملة.

ترامب أعاد إحياء هذا المنطق بصيغة أكثر مباشرة وأقل التزامًا بالأطر المؤسسية التقليدية. خطابه يقوم على عدة مرتكزات:
أولًا، تعزيز التفوق العسكري الأمريكي ورفض تقليص الإنفاق الدفاعي.
ثانيًا، استخدام العقوبات الاقتصادية كأداة ردع موازية للقوة العسكرية.
ثالثًا، إعادة تعريف التحالفات على أساس تقاسم الأعباء، بحيث لا تتحمل واشنطن كلفة الأمن العالمي وحدها.
رابعًا، التعامل مع الخصوم بمنطق القوة التفاوضية لا منطق الشرعية الدولية.

في هذا السياق، يتحول السلام من كونه نتاجًا للتوافق الدولي والمؤسسات متعددة الأطراف، إلى كونه نتيجة مباشرة لاختلال ميزان القوى لصالح طرف بعينه. هنا يظهر بوضوح التحول من الليبرالية المؤسسية إلى واقعية هجومية أقرب إلى طرح ميرشايمر (The Tragedy of Great Power Politics)، حيث الأمن لا يُضمن إلا عبر تعظيم القوة.

لكن السؤال الجوهري: هل الردع في بيئة دولية متعددة الأقطاب ما زال فعالًا كما كان في ثنائية الحرب الباردة؟
الحرب الباردة الأولى اتسمت بثبات نسبي في قواعد اللعبة بين قطبين نوويين واضحين. أما اليوم، فالمشهد أكثر تعقيدًا:
• صعود الصين كمنافس استراتيجي شامل.
• عودة روسيا إلى سياسات القوة الصلبة.
• انتشار الفاعلين غير الدولتيين.
• تداخل الاقتصاد بالتكنولوجيا والأمن السيبراني.

في هذا السياق، يتحول الردع من معادلة نووية تقليدية إلى منظومة متعددة الأبعاد تشمل الاقتصاد، والطاقة، وسلاسل الإمداد، والذكاء الاصطناعي. “السلام عبر القوة” لم يعد فقط استعراضًا عسكريًا، بل إعادة هندسة شاملة لمفهوم الهيمنة.

من منظور نقدي، هناك ثلاث إشكاليات رئيسية:

أولًا، خطر التصعيد غير المقصود. كلما زادت سياسات الردع الصلب، ارتفع هامش سوء الحسابات، خاصة في مناطق التماس مثل تايوان، أو البحر الأسود، أو الشرق الأوسط.

ثانيًا، تآكل الشرعية الدولية. الاعتماد المفرط على القوة قد يضعف منظومة القواعد التي أسستها الولايات المتحدة نفسها بعد 1945.

ثالثًا، الكلفة الهيكلية. سباق التسلح واستدامة التفوق العسكري يتطلبان موارد هائلة، وقد يؤديان إلى إنهاك استراتيجي طويل المدى.

مع ذلك، لا يمكن إنكار أن جزءًا معتبرًا من النخبة الأمريكية يرى أن البيئة الدولية الحالية لا تسمح بسياسات “الاحتواء الناعم” أو الانخراط الليبرالي، بل تفرض إعادة الاعتبار لمعادلة الردع الصريح. في هذا المعنى، “السلام عبر القوة” ليس مجرد شعار سياسي، بل تعبير عن تحوّل أعمق في الإدراك الأمريكي لطبيعة التهديد.

من منظور امرأة عربية تتابع تحولات القوة، “السلام عبر القوة” ليس شعارًا بعيدًا عن الواقع، بل سياسة تُعاد صياغتها فوق خرائط منطقتنا. كلما عززت واشنطن منطق الردع، زادت هشاشة الأقاليم التي تعيش أصلًا على توازنات دقيقة. الردع قد يمنع الانفجار، لكنه لا يبني استقرارًا ذاتيًا.

السؤال الحقيقي ليس: هل القوة تصنع سلامًا، بل هل يمكن لسلام قائم على اختلال ميزان القوى أن يستمر في نظام دولي يتجه نحو التعددية القطبية؟ هنا يصبح السلام إدارة خوف، لا تسوية دائمة.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء