لم يحدث شيء استثنائي في ذلك الصباح..
الشارع هو الشارع، بخطواته المتعجلة، وبواجهاته التي حفظناها عن ظهر قلب، الوجوه ذاتها بنظراتها العابرة، والباعة يكررون نداءاتهم كأن الزمن عالق عند جملة واحدة لا يعرف سواها، كل شيء يبدو في مكانه الصحيح.
ومع ذلك كان هناك خلل خفي، شيء لا يُرى بالعين، لكنه يُشعر القلب بأن المشهد ناقص، أو ربما زائد عن الحدّ المسموح به من الطمأنينة، كأن الواقع يؤدي دوره بإتقان، بينما الروح تشعر أن هناك سطرًا مفقودًا من القصة.
نحن نعيش عمرنا كله داخل العادي..
نولد في العادي، نكبر في العادي، نحبّ في العادي، نخاف في العادي، ونتألم في العادي، ثم نموت ونحن نظن أن حياتنا مرّت بلا أحداث تستحق الوقوف عندها، بلا لحظات فاصلة، بلا منعطفات حقيقية. لكن الحقيقة التي لا نحب سماعها هي أن العادي ليس بريئًا كما يبدو، العادي هو أكثر الأماكن ازدحامًا بالأسرار، وأكثرها قدرة على خداعنا، هو القناع الأكثر إقناعًا الذي ترتديه الحياة كي تمرّ من أمامنا دون أن نسألها: إلى أين؟
الرجل الذي يجلس في المقهى كل يوم عند الطاولة ذاتها ليس ثابتًا كما نراه..
هو يتغير بصمت، يشيخ داخليًا أسرع مما يشيخ جسده، يخوض معارك لا يسمع صوتها أحد، ويخسر أشياء لا يلاحظ غيابها أحد. يحمل هزائمه في جيبه، ويضع انتصاراته الصغيرة على الرفّ كأنها لا تستحق العرض، والمرأة التي تمر من الشارع بابتسامة هادئة تحمل في صدرها فوضى كاملة، لكنها تعلمت كيف تُرتّبها بعناية، كيف تُخفي ضجيجها كي لا يسقط على الرصيف أمام الغرباء. نحن جميعًا نبدو عاديين لأننا تعلّمنا كيف نخفي تعقيدنا.
نحن لا نخاف من الأحداث الكبيرة بقدر ما نخاف من التفاصيل الصغيرة حين نكتشف معناها متأخرين. نخاف من جملة لم نقلها لأننا حسبنا الوقت مناسبًا للصمت، ومن باب أغلقناه باختيارنا ثم نسينا المفتاح في الداخل، ومن لحظة ظنناها عابرة فإذا بها كانت مفترق الطريق كله. الحياة لا تصدمنا دفعة واحدة، لا ترفع صوتها فجأة، بل تُربكنا بالتدريج، تضعنا أمام خيارات بسيطة في ظاهرها، مصيرية في عمقها، حتى نصبح غرباء عن أنفسنا دون أن نلحظ متى بدأ الاغتراب.
الغريب في الأمر أن الإنسان لا ينهزم حين يفشل، بل حين يعتاد. فأن الاعتياد هو الهزيمة الصامتة التي لا تُعلن عن نفسها، الهزيمة التي لا تحتاج إلى ضجيج ولا إلى دموع. حين تتوقف الدهشة، حين يصبح الألم مألوفًا، وحين تمرّ الأيام دون سؤال، دون اعتراض، دون رغبة حقيقية في الفهم، هنا تحديدًا تبدأ الخسارة الحقيقية. ليس لأن الحياة قست، بل لأننا توقفنا عن محاورتها.
نظن أن الحرية قرار، لكنها في جوهرها شجاعة داخلية..
شجاعة أن تنظر إلى حياتك دون تزييف، أن تعترف بأنك لست كما أردت، ولا كما خُطط لك، بل كما سمحت للزمن أن يشكّلك، أن تواجه نفسك بسؤال بسيط ومخيف في آن واحد:
هل أنا أعيش كما أشاء، أم كما اعتدت؟
ورغم قسوة السؤال، يبقى في داخله أمل صغير. فدائمًا هناك فرصة، ولو بحجم فكرة، ولو بحجم شكّ، لإعادة كتابة نفسك من جديد.
العادي يصبح لغزًا حين نقرر أن نراه، حين ننتبه إلى تلك الرجفة الخفيفة في القلب بلا سبب واضح، إلى ذلك الحنين المفاجئ لأيام لم تكن مثالية لكنها كانت صادقة، إلى ذلك الشعور الغامض بأننا نؤجل حياتنا إلى وقت لا يأتي. في تلك اللحظات، يتوقف العادي عن كونه عاديًا ويبدأ في طرح أسئلته المؤجلة.
في نهاية الأمر، لن يُحاسَب الإنسان على عدد سنواته، بل على عدد المرات التي شعر فيها أنه حيّ فعلًا.
على اللحظات التي شعر فيها أن قلبه حاضر، وأن وعيه متيقظ، وأنه لم يكن مجرد عابر في يومه. الفرق بين من عاش ومن مرّ بالحياة ليس في المصير… بل في الوعي، وعي التفاصيل، وعي اللحظة، وعي السؤال الذي نجرؤ على طرحه حين يبدو كل شيء عاديًا.
هكذا يمضي العالم:
أناس يظنون أن أيامهم تتشابه، بينما كل يوم يخفي سؤالًا، سؤالًا لو انتبهوا له، لو توقفوا قليلًا عنده، لتغيّر كل شيء. لكن العادي بكل دهائه يقنعنا بأن لا شيء يستحق التوقف… إلى أن نفهم متأخرين أن أكثر ما كان يستحق، هو ما مرّ بنا بصمت.