رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

تقرير لمركز باستيت: ما بعد الغاز الروسي ومستقبل أوروبا

أرشيفية
أرشيفية

في 26 يناير 2026، أعلن مجلس الاتحاد الأوروبي عن الصيغة النهائية لقانون حظر استيراد الغاز الروسي بشكل كامل بحلول نهاية عام 2027. هذا المشروع خرج إلى النور عقب موافقة أغلبية الدول الأعضاء، متجاوزًا معارضة دول مثل "المجر" و"سلوفاكيا".

 

يمثل القرار ذروة عمل تشريعي بدأ في منتصف عام 2025 عن طريق الذراع التنفيذية للاتحاد "المفوضية الأوروبية"، التي طرحت خطة متكاملة تتضمن وقف واردات الغاز الروسي تدريجيًا، عن طريق وقف توقيع عقود جديدة مع شركات الطاقة الروسية بداية من عام 2026، مع وقف واردات قائمة تدريجيًا، بهدف وقف واردات الغاز المسال بنهاية 2026، والغاز المنقول عبر الأنابيب بنهاية 2027.

 

هذا النهج الأوروبي يأتي في إطار سياسة الاتحاد الأوروبي التي بدأت منذ اندلاع الحرب الروسية-الأوكرانية، وتهدف إلى وقف الاعتماد على الطاقة الروسية، حيث أن موسكو استخدمت هذه الأداة كسلاح جيوسياسي للضغط على الأطراف الأوروبية.

 

أوروبا بالفعل قلصت اعتمادها على الغاز الروسي من 40% قبل بداية الحرب الروسية-الأوكرانية إلى 13% في منتصف 2025 (1). وهنا يمكن التساؤل: كيف وصل أمن الطاقة الأوروبي إلى ما هو عليه قبل الحرب؟ وهل تنجح الأطراف الأوروبية في تطبيق القرار سابق الذكر؟

 

كيف تحول أمن الطاقة الأوروبي إلى رهينة القرار الروسي؟

 

منذ قيام الثورة الصناعية الأوروبية في أواخر القرن الثامن عشر، حتى بعد الحرب العالمية الثانية، ظل الفحم المحرك الرئيسي للنهضة الصناعية في القارة. لكن مع ستينيات القرن الماضي بدأت تكلفة استخراج الفحم ترتفع مع ازدياد عمق المناجم، فضلًا عن الكلفة البيئية. لذا كان الخيار الأمثل يكمن في التحول نحو الاعتماد على الغاز الطبيعي، كونه مصدرًا أقل تلويثًا للبيئة، كما أن تكلفة استيراده أقل.

 

في هذا السياق، بدأت "النمسا" في كسر حدة الحرب الباردة بتوقيعها اتفاقية لاستيراد الغاز السوفيتي عام 1968، ثم لحقت بها ألمانيا الغربية عام 1970 عبر توقيع اتفاقية: "الأنابيب مقابل الغاز". ومن خلال هذه الاتفاقية، قامت ألمانيا بتدشين أنابيب نقل غاز فولاذية عالية الجودة، مقابل تعهد الاتحاد السوفيتي بتوريد الغاز إلى ألمانيا.

 

جاءت هذه الاتفاقية في إطار سياسة التقارب مع الشرق "Ostpolitik" التي اتبعها المستشار الألماني آنذاك "ويلي براندت". وبهذا المنظور، اعتقد أن وجود تكامل اقتصادي مع الاتحاد السوفيتي يؤدي في نهاية المطاف إلى منع نشوب حرب بين المعسكرين.

 

لكن العام 1981 شهد بداية الهيمنة السوفيتية على أسواق الطاقة الأوروبية مع بداية إنشاء خط "سيبيريا-أوروبا"، الخطوة التي أدت إلى ازدياد المخاوف الأمريكية في عهد الرئيس الأمريكي "رونالد ريجان"، الذي قام حينها بمنع الشركات الأمريكية من توريد المعدات اللازمة لإنشاء الخط. لكن إصرار دول مثل "فرنسا" و"ألمانيا" أدى إلى نجاح المشروع رغمًا عن الضغط الأمريكي.

 

طوال حقبة الحرب الباردة، لم تتوقف تدفقات الغاز السوفيتي حتى في أشد الأوقات توترًا بين المعسكرين، ما رسخ انطباعًا أوروبيًا يرى في الطرف السوفيتي مصدرًا موثوقًا يمكن الاعتماد عليه في تلبية الاحتياج الأوروبي من الطاقة (2).

 

لم تنقطع هذه العلاقة بانهيار الاتحاد السوفيتي عام 1991، بل أعيد إنتاجها من خلال الوريثة الشرعية "روسيا". لكن في هذه المرة لم تكن العلاقة مستقرة كما اعتادت أوروبا. ففي يناير 2006، وقع خلاف مالي بين شركة "غازبروم" الروسية وشركة "نافتوجاز" الأوكرانية، أدى إلى نقص تدفق الغاز بنسبة وصلت إلى 30% في دول مثل "فرنسا" و"ألمانيا" و"إيطاليا".

 

تكرر الأمر ذاته في يناير 2009 نتيجة خلاف حول تسوية الديون المتأخرة على الشركة الأوكرانية سابقة الذكر. طالت الأزمة دول شرق القارة، حيث توقفت إمدادات الغاز لمدة أسبوعين (3).

 

هذه الأحداث كشفت أنه من الممكن لروسيا أن تستخدم الطاقة كسلاح، وأن أي خلاف بينها وبين دول المرور يمكن أن ينتج عنه تهديد لأمن الطاقة الأوروبي. وبدلًا من استيراد الغاز المسال بتكلفة مالية أعلى من حلفاء قد يكونون أكثر موثوقية، مثل الولايات المتحدة، اختارت أوروبا مواصلة الاعتماد على روسيا، حتى أيقظت الحرب الروسية-الأوكرانية عام 2022 القارة الأوروبية من سباتها.

 

التكلفة الاقتصادية للقرار

 

يحتم تعويض حظر واردات الغاز الروسي على الاتحاد الأوروبي العمل بالتوازي من خلال مسارين. يتمثل المسار الأول في استثمار طويل الأجل في الطاقة المتجددة. وفي هذا السياق، يشير تقرير مجموعة "أكسفورد" حول تكلفة استبدال الغاز الروسي بمصادر الطاقة النظيفة إلى أن الاتحاد الأوروبي قد يحتاج لحوالي 811 مليار يورو استثمارات بحلول عام 2028 في مصادر طاقة متجددة وأنظمة تدفئة نظيفة، لتعويض الاعتماد السابق على الغاز الروسي، ولتأمين إمدادات بديلة مستدامة. لكن هذه التكاليف قد تكون قابلة للاسترداد على مدى العقود القادمة من خلال تقليل الحاجة إلى شراء الغاز المستورد (4)، ما يشير إلى علاقة معقدة بين كلفة الاستثمار في الوقت الحالي وعوائد ضخمة على المدى الطويل.

 

بينما يحتم المسار الثاني على الاتحاد الأوروبي استبدال الغاز الروسي بغاز مسال من دول حليفة مثل "الولايات المتحدة" وقطر، ما يتطلب استثمارات في بنية تحتية وموانئ إسالة ومحطات استقبال وشبكات توزيع. هذا بدوره يزيد من فاتورة الطاقة الوطنية ويؤثر على أسعار الطاقة للمستهلكين (5).

 

كذلك، يواجه قطاع الصناعة الأوروبية تداعيات تتمثل في القدرة التنافسية لهذه الصناعات، إذ أن ارتفاع تكاليف الطاقة يمكن أن يضغط على القطاعات الصناعية كثيفة الاستهلاك للطاقة ويؤثر على صافي الإنتاج والتوظيف. كما أن انتقال بعض الدول نحو الاعتماد على الغاز المسال يفتح الباب أمام اعتماد جديد على موردين آخرين بأسعار قد تكون أعلى وأكثر تقلبًا، ما يعيد تشكيل موازين التكلفة الاقتصادية في سوق الطاقة الأوروبي ككل، ويضع صناع القرار أمام موازنة دقيقة بين تعزيز أمن الطاقة وتقليل الاعتماد على روسيا من جهة، والمحافظة على استقرار الأسعار وقدرة الاقتصاد على المنافسة الدولية من جهة أخرى.

 

يلاحظ أن الأثر الاقتصادي سيكون مرتفعًا على دول مثل المجر والتشيك، حيث أن الدولتين تعتمدان بنسبة ضخمة على واردات الغاز الروسي المنقول عبر الأنابيب، فضلًا عن أنهما دول حبيسة، ما يترتب عليه صعوبة الانتقال إلى الغاز المسال. كذلك دول العبور، مثل سلوفاكيا والنمسا، كانتا في السابق تحصلان على رسوم نظير عبور خطوط الغاز عبر أراضيها، والآن ستفقد هذا الدور.

 

هل تنجح أوروبا في تحقيق أمن الطاقة بعيدًا عن روسيا؟

 

الاعتماد على الغاز الروسي لم يعد خيارًا سياسيًا، بل أصبح واقعًا مفروضًا بعد انهيار سلاسل التوريد القديمة. إلا أن الاتحاد الأوروبي، على الرغم من التداعيات الاقتصادية سابقة الذكر، قادر نظريًا على تعويض واردات الغاز الروسي من خلال اتباع مسارات بديلة.

 

السيناريو الأول: تنويع شبكة الموردين

الهدف من ذلك هو إزالة التبعية عن طريق استبدال الاعتماد على مورد واحد بمجموعة متنوعة من الموردين، لتقليل القدرة على استخدام الطاقة كأداة للضغط السياسي. هذا التنويع يمنح "بروكسل" قوة تفاوضية تؤدي إلى تقليل تكلفة الاستيراد.

 

كما أنه يحتم على أوروبا المضي قدمًا نحو التوسع في البنية التحتية لاستقبال الغاز الطبيعي المسال من الولايات المتحدة وقطر، وتفعيل الممر الجنوبي لنقل غاز بحر قزوين من أذربيجان، بالإضافة إلى تعميق الشراكات مع دول شمال أفريقيا وحوض شرق المتوسط، مثل الجزائر ومصر.

 

في هذا السياق، يواجه الاتحاد الأوروبي تحديات التكلفة المرتفعة لبناء "محطات التغويز" والمنافسة الشديدة مع الأسواق الآسيوية على استيراد شحنات الغاز المسال، بالإضافة إلى استبدال تبعية جيوسياسية بتبعية أخرى قد تكون أقل خطورة لكنها أكثر كلفة.

 

السيناريو الثاني: الاستقلال عبر الاستدامة

ينظر إلى التغير المناخي والتحديات السياسية الحالية كفرصة للتخلص النهائي من التبعية للموارد الأحفورية المستوردة. وهذا يمكن تحقيقه من خلال عدة آليات، منها الاعتماد على طاقة الرياح والشمس، وتطوير اقتصاد الهيدروجين الأخضر ليكون بديلًا للغاز في الصناعات الثقيلة. وهذا يحول أمن الطاقة من قضية سياسة خارجية إلى قضية سياسة داخلية تقنية بدرجة كبيرة.

 

قد يبدو هذا السيناريو مثاليًا، لكنه في الواقع يحمل العديد من التحديات، منها التبعية، حيث أنه لا يمكن أن تمحى كليًا، فالاستثمار في الطاقة النظيفة يتطلب استيراد المعادن النادرة، وهو السوق الذي تهيمن عليه الصين بشكل شبه كامل، فضلًا عن التكلفة التريليونية لهذا المسار.

 

كذلك، توجد فجوة بين إنتاج الطاقة النظيفة واستهلاكها. فمثلًا، الطاقة الشمسية تصل إلى ذروة الإنتاج في منتصف النهار، بينما يرتفع الطلب عليها بشكل حاد في المساء بعد غروب الشمس. الأمر ذاته بالنسبة لطاقة الرياح، فالتوربينات يمكن أن تتوقف تمامًا عن العمل في فترات السكون الجوي.

 

ختامًا

 

تأسيسًا على ما تقدم، يتبين أن أمن الطاقة الأوروبي يمر بمرحلة إعادة هيكلة جذرية، تتجاوز مجرد البحث عن بدائل تقنية لتشمل إعادة تعريف السيادة الجيوسياسية للقارة. فالقرار المتخذ في يناير 2026 بإنهاء الاعتماد على مصادر الطاقة الروسية لا يمثل نهاية الاعتماد على مورد واحد فحسب، بل يمثل تفكيكًا لمنظور "التبعية" الذي ساد منذ الحرب الباردة.

 

إن نجاح أوروبا في تحقيق هذا الانتقال يمكن أن يكون مرهونًا بقدرتها على تبني "نموذج هجين" يدمج السيناريوهين السابق ذكرهما في استراتيجية موحدة. فبينما يعمل تنويع موردي الغاز المسال كدرع وقائي آني لامتصاص صدمات الأسعار، يظل التحول نحو الاستدامة والهيدروجين الأخضر هو الضمانة الوحيدة لتحويل أمن الطاقة من ملف شائك في السياسة الخارجية إلى عنصر استقرار.

 

مع ذلك، يظل التحدي الأكبر أنه بدون ربط بيني حقيقي وشبكات ذكية قادرة على تجاوز معضلة تقطع الإمدادات، ستظل الدول الحبيسة والأقل نموًا عرضة للانكشاف الاستراتيجي.

 

إن مستقبل أمن الطاقة في أوروبا لن يتحدد فقط بحجم الاستثمارات التريليونية المطلوبة، بل بمدى صمود الإرادة السياسية أمام التكاليف الاقتصادية والاجتماعية المرتفعة في الأمد القريب، وصولًا إلى نظام طاقي متكامل يحرر القرار الأوروبي من ضغوط الجيوسياسية التقليدية، ويضع القارة في طليعة القوى العالمية التي تمتلك استقلالها الطاقي والمناخي في آن واحد.

 

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء