تقرير لمركز باستيت: قراءة في أزمة تشكيل الحكومة العراقية؟
أعاد الجدل حول ترشيح نوري المالكي لرئاسة مجلس الوزراء العراقي إلى الواجهة مجددًا في يناير 2026 واحدةً من أكثر القضايا السياسية حساسية في المشهد العراقي المعاصر، ليس فقط بوصفه استحقاقًا دستوريًا مرتبطًا بتشكيل حكومة جديدة، وإنما باعتباره اختبارًا مركزيًا لطبيعة التوازنات السياسية داخل النظام العراقي بعد أكثر من عقدين على التغيير السياسي في عام 2003. فقد جاء إعلان تحالف "الإطار التنسيقي" -بصفته الكتلة الشيعية الأكبر داخل البرلمان- دعمه الرسمي لترشيح المالكي في توقيت بالغ الدلالة، يتزامن مع ترتيبات انتخاب رئيس الجمهورية وتكليف رئيس وزراء جديد، في سياق داخلي وإقليمي يتسم بقدر عالٍ من السيولة وعدم اليقين.
وفي هذا السياق، شهد المسار الدستوري لتشكيل السلطة التنفيذية منذ أواخر يناير 2026 تعثرًا إضافيًا، تمثّل في تأجيل جلسات انتخاب رئيس الجمهورية داخل مجلس النواب العراقي، نتيجة الخلافات المستمرة بين الحزبين الكرديين الرئيسيين (الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني) حول المرشح التوافقي للمنصب، وعدم اكتمال النصاب القانوني للجلسات المقررة. وقد انعكس هذا التأجيل بشكل مباشر على المسار الدستوري لتكليف رئيس الوزراء، بما حوّل الجدل حول ترشيح نوري المالكي من استحقاق إجرائي إلى تعبير عن انسداد بنيوي أوسع في آليات إنتاج السلطة داخل النظام السياسي العراقي.
فالمالكي يُعد شخصية إشكالية في الذاكرة السياسية العراقية، إذ ارتبط اسمه بفترات من الاستقطاب السياسي الحاد، والتوترات الطائفية، والإخفاقات الأمنية والمؤسسية، ولا سيما في مرحلة ما قبل تمدد تنظيم "داعش". وفي المقابل، ترى قوى داخل الإطار التنسيقي أن إعادة طرحه تمثل خيارًا "وظيفيًا" يهدف إلى الحفاظ على تماسك المعسكر الشيعي، ومنع تفككه في مرحلة تتزايد فيها الضغوط الشعبية والانقسامات السياسية.
كما يتقاطع الجدل الداخلي حول ترشيح المالكي مع بيئة إقليمية ودولية معقّدة، حيث يُنظر إلى منصب رئيس الوزراء في العراق بصفته نقطة ارتكاز في معادلات النفوذ الإقليمي، خاصة في ظل التنافس الأمريكي–الإيراني، وإعادة ترتيب أولويات الفاعلين الدوليين في العراق بعد سنوات من الانخراط الأمني والعسكري المباشر. ومن ثم، فإن مسألة الترشيح لا يمكن قراءتها بمعزل عن اعتبارات أوسع تتعلق باستقرار النظام السياسي، ومستقبل العلاقات الخارجية للعراق، وقدرته على إدارة التوازن بين متطلبات السيادة وضغوط الواقع الجيوسياسي.
وانطلاقًا من ذلك، تنطلق هذه المقالة من إشكالية بحثية محدثة مفادها: إلى أي مدى يعكس ترشيح نوري المالكي، في ظل تعثّر انتخاب رئيس الجمهورية وتأجيل استكمال الاستحقاقات الدستورية منذ أواخر يناير 2026، محاولة لإعادة إنتاج نمط الحكم التقليدي القائم على إعادة تدوير النخب داخل الإطار الشيعي، أم أنه يمثل استجابة ظرفية لحالة انسداد سياسي بنيوي تتجاوز شخص المرشح لتشمل آليات التوافق ذاتها داخل النظام السياسي العراقي؟ وتسعى المقالة للإجابة عن هذه الإشكالية عبر مقاربة تحليلية–تفسيرية، تقوم على تفكيك دوافع الإطار التنسيقي، وتحليل تفاعلات الأزمة الكردية–الكردية حول منصب رئاسة الجمهورية داخل مجلس النواب العراقي، وربط ذلك بالسياقين الإقليمي والدولي، بما يسمح باستشراف التداعيات المحتملة لاستمرار هذا التعطيل المؤسسي على مسار تشكيل الحكومة، واستقرار النظام السياسي العراقي خلال المرحلة المقبلة.
أولاً: سياق الترشح وأسبابه:
يأتي إعلان الإطار التنسيقي لترشيح نوري المالكي في سياق سياسي مضطرب يتسم بتعطّل متزامن في استكمال الاستحقاقات الدستورية الأساسية، وعلى رأسها تعثّر انتخاب رئيس الجمهورية داخل مجلس النواب العراقي، حيث أخفقت جلستان متتاليتان – كان آخرهما مطلع فبراير/شباط 2026 – في حسم هذا المنصب نتيجة استمرار الخلافات الكردية–الكردية وعدم اكتمال النصاب القانوني. وقد أسهم هذا التعطيل في إرجاء المسار الدستوري لتكليف رئيس الوزراء. وفي هذا الإطار، لا يمكن فصل قرار الإطار التنسيقي بشأن مرشحه لرئاسة الحكومة عن حالة الانسداد المؤسسي العامة، التي دفعت القوى الفاعلة إلى تبنّي خيارات "وظيفية" قصيرة الأجل بدل البحث عن تسويات سياسية شاملة. (Jazeera-Arabic، 1-02-2026)
وفى هذا الإطار أعلن الإطار التنسيقي في 24 يناير/كانون الثاني 2026 ترشيح نوري المالكي لمنصب رئيس مجلس الوزراء، عقب سلسلة من المشاورات المكثفة داخل التحالف، عكست حالة من التباين الهيكلى في مواقف القوى الشيعية المنضوية فيه. ولم يأتِ هذا القرار نتاج توافق شامل، بل نتيجة تصويت بأغلبية داخل الإطار، وهو ما يشير إلى استمرار الانقسامات الداخلية حول طبيعة القيادة المطلوبة لإدارة مرحلة ما بعد انتخابات 2025، في ظل بيئة سياسية تتسم بالهشاشة وانسداد أفق التسويات المستقرة (Reuters، Iraq’s Shiite Coordination Framework backs Maliki amid internal divisions.، 2026).
ويعكس هذا الانقسام مأزقًا بنيويًا داخل الإطار التنسيقي، يتمثل في التناقض بين السعي للحفاظ على وحدة التحالف والحاجة إلى تجديد القيادات السياسية. وقد تعمّق هذا المأزق مع تعثّر الاستحقاقات الدستورية وتأجيل انتخاب رئيس الجمهورية، بما زاد من الكلفة السياسية لترشيح المالكي على مستوى الرأي العام (Al-Monitor.، 2026).
وفي هذا السياق، لعب انسحاب رئيس الوزراء المنتهية ولايته، محمد شياع السوداني، من سباق الترشح دورًا مفصليًا في إعادة خلط الأوراق داخل التحالف. إذ فُسِّر هذا التنازل على نطاق واسع بصفته محاولة لكسر حالة الجمود السياسي وتفادي انقسام أعمق داخل الإطار التنسيقي، غير أن هذه الخطوة لم تُفضِ إلى حسم الخلافات الجوهرية، بل أسهمت في ترحيلها إلى مرحلة ما بعد إعلان الترشيح، بما يعكس أزمة بنيوية في آليات إنتاج القرار داخل التحالف نفسه (Middle-East-Eye، 2026).
ثانياً: أبعاد الجدل الداخلي حول الترشيح
أ. الانقسامات داخل الإطار التنسيقي
على الرغم من تمرير ترشيح نوري المالكي داخل الإطار التنسيقي عبر آلية التصويت بالأغلبية، فإن غياب الإجماع كشف عن مستوى متقدم من الانقسام داخل التحالف الشيعي الحاكم. فقد أظهرت مواقف عدد من القوى المنضوية في الإطار -ومن بينها عصائب أهل الحق وتيار الحكمة- تحفظات واضحة على إعادة طرح المالكي، ليس فقط لأسباب تتعلق بشخصه، وإنما لارتباط الترشيح بمنطق تسويات داخلية ضيقة تعكس توازنات قوة آنية، أكثر مما تعكس توافقًا سياسيًا مستدامًا. وتشير تحليلات حديثة إلى أن هذا الانقسام يعكس مأزقًا بنيويًا داخل الإطار التنسيقي، يتمثل في التناقض بين السعي للحفاظ على وحدة التحالف من جهة، والحاجة إلى تجديد القيادات السياسية بما يتلاءم مع متغيرات المرحلة من جهة أخرى، في ظل ضغوط داخلية وخارجية متزايدة على بنية الحكم في العراق (International-Crisis-Group، Iraq 2026: Elite fragmentation and the limits of political consensus. Brussels.، 2026).
وقد أسهم تعثّر الاستحقاقات الدستورية المتزامنة، ولا سيما تأجيل جلسات انتخاب رئيس الجمهورية، في تعميق الانقسامات داخل الإطار التنسيقي، إذ برزت مخاوف متزايدة لدى بعض مكوّناته من أن يؤدي الإصرار على المضي بترشيح نوري المالكي، في ظل حالة الانسداد السياسي الراهنة، إلى تحميل التحالف كلفة سياسية إضافية على مستوى الرأي العام، وربط صورته باستدامة العجز المؤسسي بدل لعب دور فاعل في إنتاج تسويات سياسية قابلة للاستدامة. وتشير قراءات وتحليلات حديثة إلى أن جانبًا من التحفّظات داخل الإطار لم يعد محصورًا في هوية المرشح بحد ذاتها، بل امتد ليشمل توقيت طرحه، في لحظة تشهد فيها الدولة تآكلًا ملحوظًا في الثقة بقدرة النظام السياسي على توليد توافقات جامعة وإدارة الانتقال الحكومي بسلاسة(Reuters، Iraq’s Shi’ite bloc reaffirms backing for Maliki despite internal and external pressure، 31-01-2026).
ب. الموقف السني والتحفظات الوطنية
على المستوى الوطني، عبّر المجلس السياسي الوطني السني عن رفضه لترشيح المالكي، معتبرًا أن السياق السياسي العراقي في مطلع عام 2026 يتطلب الدفع نحو شخصية تحظى بقبول وطني أوسع، وقادرة على احتواء حالة الاستقطاب السياسي والطائفي المتراكمة. ويعكس هذا الموقف مخاوف سنية متجددة من أن تؤدي إعادة إنتاج النخب السياسية نفسها إلى تقويض فرص التوصل إلى تسوية سياسية مستقرة، خصوصًا في ظل هشاشة التوازنات داخل البرلمان وتصاعد الضغوط الاجتماعية والاقتصادية، معتبرًا أن السياق السياسي العراقي في ظل فراغ دستوري يعمّق الاستقطاب ويقوّض فرص بناء الثقة الوطنية (Al-Jazeera، 2026).
وتزايدت حدة هذه التحفظات السنية في ضوء تعثّر انتخاب رئيس الجمهورية وتأجيل تكليف رئيس الوزراء، إذ اعتبرت بعض القيادات السنية أن استمرار حالة الفراغ الدستوري يعكس فشل النخب الحاكمة في إدارة التعددية السياسية، ويعزز المخاوف من انزلاق العملية السياسية نحو إعادة إنتاج أزمات ما قبل 2019، بما يحول دون تحقيق حد أدنى من الاستقرار المؤسسي المطلوب لإدارة التحديات الاقتصادية والأمنية الراهنة (AlJazeera-Arabic، 1-02-2026).
ج. الموقف الكردى
اتسم الموقف الكردي من ترشيح نوري المالكي لرئاسة مجلس الوزراء بالحذر والتحفّظ، دون الوصول إلى رفض سياسي صريح، في ضوء التجربة الإشكالية للعلاقة بين بغداد وأربيل خلال ولاياته السابقة. فقد أعادت هذه التجربة إلى الواجهة مخاوف كردية تتعلق بتغليب النزعة المركزية في إدارة الدولة، وتعثر تسوية الملفات الخلافية المزمنة، وعلى رأسها تقاسم العائدات النفطية، وصلاحيات الإقليم، والمناطق المتنازع عليها. وفي هذا السياق، أبدت القوى الكردية الرئيسية تفضيلها التعامل مع مرشح يتبنى مقاربة تفاوضية أكثر مرونة، مع الإبقاء على موقفها في إطار حسابات براغماتية تهدف إلى تعظيم أوراقها التفاوضية خلال عملية تشكيل الحكومة، وربط دعمها المحتمل بضمانات سياسية ودستورية واضحة. ويعكس هذا التحفّظ، في جوهره، سعي القيادات الكردية إلى الموازنة بين الذاكرة السياسية السلبية ومتطلبات الواقعية السياسية، في ظل مراقبة دقيقة للمواقف الإقليمية والدولية المؤثرة في مسار تشكيل السلطة التنفيذية الجديدة (العربي-الجديد، الموقف الكردي من ترشيح المالكي: حسابات الحذر والبراغماتية السياسية.، 2026).
واكتسب هذا التحفّظ الكردي بعدًا إضافيًا مع فشل البرلمان العراقي في عقد جلستين متتاليتين لانتخاب رئيس الجمهورية، وهو منصب يُعد تقليديًا من حصة المكوّن الكردي. فقد اعتُبر استمرار الخلافات داخل البيت الكردي، بالتوازي مع طرح المالكي لرئاسة الحكومة، مؤشرًا على تراجع قدرة القوى السياسية على إدارة التوافقات العابرة للمكوّنات، ما دفع الأحزاب الكردية إلى تشديد شروطها التفاوضية وربط أي دعم محتمل لرئيس الوزراء المقبل بحزمة ضمانات تتعلق بصلاحيات الإقليم وتسوية الملفات العالقة مع بغداد (العربي-الجديد، الأكراد وأزمة رئاسة الجمهورية: حسابات التفاوض في مرحلة الانسداد السياسي، 2-02-2026).
ثالثاً: التوتر الإقليمي والضغوط الدولية
أثار ترشيح نوري المالكي تفاعلات إقليمية ودولية ملحوظة، عكست الطبيعة الجيوسياسية الحسّاسة للمشهد العراقي بصفته ساحة تقاطع لمصالح متنافسة. فقد أبدت الولايات المتحدة قلقًا متزايدًا من احتمالات تشكّل حكومة عراقية يُنظر إليها على أنها واقعة تحت تأثير الفصائل المسلحة أو خاضعة لدوائر نفوذ إقليمية، وهو ما تعتبره واشنطن عاملًا مهددًا لاستقرار العراق ولمعادلات الردع الإقليمي الأوسع. وفي هذا الإطار، شددت المواقف الأمريكية المعلنة خلال اتصالات دبلوماسية رفيعة المستوى على ضرورة أن تقوم الحكومة العراقية المقبلة على مبدأ استقلال القرار الوطني، وأن تتفادى الانخراط في اصطفافات إقليمية قد تُعيد إنتاج أنماط عدم الاستقرار السياسي والأمني(Reuters، U.S. warns against militia influence as Iraq faces renewed political divisions، 2026).
وفي هذا السياق، اتخذ الخطاب الأمريكي بُعدًا أكثر حدّة مع تصريحات أدلى بها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، حذّر فيها صراحةً من عودة نوري المالكي إلى رئاسة الحكومة العراقية، معتبرًا أن هذا السيناريو قد يُفضي إلى تعميق نفوذ إيران داخل مؤسسات الدولة العراقية، ومهددًا بإعادة النظر في طبيعة الدعم أو مستوى الانخراط الأمريكي مع أي حكومة عراقية يُنظر إليها على أنها خاضعة لنفوذ الفصائل المسلحة أو الدوائر الإقليمية المرتبطة بطهران. وتعكس هذه التصريحات انتقالًا من التحفّظ الدبلوماسي إلى خطاب ردعي مباشر، بما يمنح السياسة الأمريكية تجاه العراق طابعًا أكثر حزمًا وتصادمية مشروطة، ويشير إلى استعداد واشنطن لاستخدام أدوات ضغط سياسية واقتصادية في حال ما اعتُبر أن مسار تشكيل الحكومة الجديدة يتعارض مع محددات الاستقرار الإقليمي والمصالح الأمريكية الأوسع (Reuters، Trump warns against Maliki’s return amid Iraq government talks، 2026).
وتكتسب هذه التصريحات أهميتها من كونها جاءت من رأس السلطة التنفيذية الأمريكية، وفي لحظة تزامنت مع تصعيد دبلوماسي أمريكي أوسع تجاه مسار تشكيل الحكومة العراقية، ما يجعلها جزءًا من بيئة ضغط سياسية متكاملة وليست مجرد موقف خطابي منفرد.
وترافقت هذه الرسائل مع إشارات إلى إمكانية توظيف أدوات ضغط دبلوماسية أو اقتصادية في حال استمرت مؤشرات تغليب نفوذ الفصائل المسلحة على مؤسسات الدولة، وهو ما يعكس توجّهًا أمريكيًا نحو إدارة الملف العراقي ضمن منطق "الاحتواء المشروط" بدل الانخراط المباشر. واكتسبت هذه المقاربة الأمريكية زخمًا إضافيًا مع تعثّر انتخاب رئيس الجمهورية وتأجيل استكمال المسار الدستوري لتشكيل الحكومة، إذ ربطت دوائر صنع القرار في واشنطن بين استمرار الفراغ المؤسسي وتصاعد نفوذ الفاعلين غير الرسميين، محذّرة من إضعاف الشركاء الرسميين وتقليص هامش التأثير الأمريكي لصالح قوى إقليمية منافسة، ما دفع واشنطن إلى تكثيف رسائلها الدبلوماسية الداعية إلى الإسراع في تشكيل حكومة "قابلة للتعامل الدولي" وتحظى بحد أدنى من التوازن الداخلي والاستقلالية عن الفصائل المسلحة (Reuters، Iraq’s Shi’ite bloc reaffirms backing for Maliki despite internal and external pressure، 31-01-2026). وبذلك، يتجاوز الجدل حول ترشيح المالكي حدوده الداخلية، ليصبح جزءًا من معادلة توازن قوى أوسع تتنافس فيها أطراف دولية وإقليمية على توجيه مسار الدولة العراقية ودورها في النظام الإقليمي.
في المقابل، تعاملت إيران مع الجدل الدائر حول ترشيح المالكي بمنهج أكثر حذرًا، قائم على الدعم غير المعلن وتجنّب الظهور العلني كطرف ضاغط في مسار تشكيل الحكومة. فبينما تنظر طهران إلى المالكي بصفته شخصية سياسية مضمونة نسبيًا من حيث الحفاظ على شبكة العلاقات مع القوى الشيعية والفصائل الحليفة، فإنها حرصت في الوقت ذاته على تجنّب تبنّي الترشيح بشكل صريح، إدراكًا لحساسية اللحظة السياسية الداخلية، ولرغبتها في عدم استفزاز الضغوط الأمريكية أو الإقليمية المتزايدة.
وتشير تحليلات حديثة إلى أن المقاربة الإيرانية في مطلع عام 2026 باتت أكثر براغماتية، حيث تركّز على الحفاظ على نفوذها داخل بنية النظام السياسي العراقي عبر تعدد القنوات والفاعلين، بدل الرهان على شخصية واحدة بعينها. ويعكس هذا السلوك إدراكًا إيرانيًا بأن أي انحياز علني قد يُسهم في تعميق الانقسامات الداخلية العراقية، ويمنح الأطراف الدولية ذريعة لتصعيد الضغوط على بغداد، بما قد يضر بالمصالح الإيرانية على المدى المتوسط (وكالة-تسنيم-للأنباء، 2026).
وتعزّز هذا النهج البراغماتي الإيراني في ضوء التطورات الأخيرة المرتبطة بتأجيل انتخاب رئيس الجمهورية، حيث فضّلت طهران الحفاظ على هامش مناورة واسع داخل المشهد العراقي بدل الاستثمار السياسي المباشر في مرشح واحد. وتشير تقارير إقليمية إلى أن إيران باتت تنظر إلى حالة الانسداد السياسي في بغداد باعتبارها ظرفًا يتطلّب إدارة هادئة للتوازنات، تجنّبًا لتحويل الملف العراقي إلى ساحة مواجهة مفتوحة مع الولايات المتحدة، أو إلى عبء سياسي يحدّ من قدرة حلفائها المحليين على المناورة داخل النظام. وبذلك، تسعى طهران إلى تثبيت نفوذها عبر شبكات متعددة داخل الدولة والمجتمع السياسي العراقي، مع ترك مسألة رئاسة الحكومة مفتوحة أمام احتمالات التسوية بدل الحسم المبكر (Tasnim-News-Agency، 2-02-2026).
رابعاً: التداعيات المحتملة على تشكيل الحكومة: سيناريوهات محتملة
تأتي هذه السيناريوهات في سياق سياسي يتسم بتعطّل متزامن في استكمال الاستحقاقات الدستورية، ولا سيما فشل البرلمان العراقي في عقد جلستين متتاليتين لانتخاب رئيس الجمهورية، وهو ما انعكس مباشرة على تأخير تكليف رئيس الوزراء وإطالة أمد المرحلة الانتقالية. ويُضفي هذا التعثّر بُعدًا إضافيًا على مسارات تشكيل الحكومة، إذ لم يعد الخلاف مقتصرًا على هوية المرشح، بل امتد ليشمل قدرة النظام السياسي ذاته على إدارة التوافقات في لحظة انسداد مؤسسي متزايد.
السيناريو الأول: الاحتواء التوافقي (تسوية مُدارة)
يفترض هذا السيناريو نجاح القوى السياسية الرئيسة في احتواء الجدل المثار حول ترشيح نوري المالكي عبر التوصل إلى تسوية سياسية واسعة، تقوم على تقديم تنازلات متبادلة داخل الإطار التنسيقي، وطمأنة القوى السنية والكردية من خلال ترتيبات مؤسسية تتعلق بتوزيع المناصب السيادية وآليات اتخاذ القرار داخل الحكومة. وفي هذا الإطار، يُرجَّح أن يجري تمرير الحكومة ضمن صيغة توافقية معدّلة. غير أن هذا المسار، رغم قدرته على تسريع عملية التشكيل وتجنّب الفراغ السياسي، قد يُنتج حكومة ذات تماسك محدود، تعتمد على توازنات هشة وتفاهمات مؤقتة، ما يُضعف قدرتها على تبنّي سياسات إصلاحية طويلة الأمد (International-Crisis-Group، Iraq 2026: Government formation, militias, and fragile stability.، 2026).
ويزداد احتمال هذا السيناريو في حال نجاح القوى السياسية في كسر حالة الجمود المرتبطة بتأجيل انتخاب رئيس الجمهورية، والتوصل إلى تفاهم كردي–كردي يسمح باستكمال المسار الدستوري وتكليف رئيس الوزراء. غير أن هذا الاحتواء، في ضوء التجربة الراهنة، يبدو مشروطًا بقدرة الفاعلين السياسيين على تقديم تنازلات تكتيكية مؤقتة أكثر منه تعبيرًا عن توافق استراتيجي طويل الأمد، ما يجعل الاستقرار الناتج عنه هشًا وقابلًا للاهتزاز مع أول اختبار سياسي أو أمني جديد.
السيناريو الثاني: التعثّر السياسي وإطالة أمد التفاوض
ينطلق هذا السيناريو من افتراض استمرار الانقسامات داخل الإطار التنسيقي، وتصلّب مواقف القوى الرافضة للترشيح، بما يؤدي إلى تعقيد مسار التفاوض وتأجيل حسم ملف رئاسة الحكومة. وفي هذه الحالة، يحمل هذا السيناريو مخاطر إعادة إنتاج حالة الشلل السياسي، على غرار تجارب سابقة شهد فيها العراق فراغًا حكوميًا ممتدًا، ما انعكس سلبًا على الأداء الاقتصادي، وتعطّل السياسات العامة، وتراجع ثقة الشارع في الطبقة السياسية(Carnegie، 2026).
ويتعزّز هذا السيناريو مع فشل البرلمان العراقي في عقد جلستين متتاليتين لانتخاب رئيس الجمهورية، ما يشير إلى قابلية الانسداد السياسي للتحول من أزمة مؤقتة إلى نمط إدارة مستدام للمرحلة الانتقالية. وفي هذا السياق، قد يصبح التأجيل أداة تفاوض بحد ذاته، تستخدمها الكتل المختلفة لتحسين شروطها السياسية، على حساب تسريع تشكيل حكومة فاعلة.
السيناريو الثالث: التصعيد وإعادة رسم التحالفات
يفترض هذا السيناريو فشل مساعي الاحتواء، وتحول الجدل حول الترشيح إلى نقطة انقسام حاد تُعيد تشكيل التحالفات داخل البرلمان وخارجه. وقد يدفع ذلك بعض القوى إلى الانسحاب من التفاهمات القائمة، أو السعي إلى فرض وقائع سياسية جديدة عبر الشارع أو أدوات الضغط غير المؤسسية. وفي هذا السياق، لا يُستبعد أن يؤدي التصعيد إلى تأخير طويل في تشكيل الحكومة، أو إلى فرض حكومة ضعيفة الشرعية، الأمر الذي قد يُفاقم هشاشة النظام السياسي ويُعمّق الانقسام بين مكونات العملية السياسية (Al-Monitor، 2026).
ويكتسب هذا السيناريو زخمًا إضافيًا في حال تداخل التصعيد الداخلي مع الضغوط الإقليمية والدولية، ولا سيما إذا اقترنت إطالة أمد الفراغ الدستوري بتصاعد الاستقطاب الأمريكي–الإيراني حول طبيعة الحكومة العراقية المقبلة. ففي مثل هذا السياق، قد تتحول عملية تشكيل الحكومة إلى ساحة صراع غير مباشر بين أطراف خارجية، بما يضعف فرص التوافق الوطني، ويزيد من احتمالات إنتاج حكومة ضعيفة الشرعية أو محدودة القدرة على الحكم.
خاتمة
تُظهر قراءة الجدل الدائر حول ترشيح نوري المالكي لرئاسة مجلس الوزراء في مطلع عام 2026 أن الأزمة الراهنة لا تختزل في شخص المرشح أو في توازنات داخل تحالف بعينه، بل تعكس انسدادًا بنيويًا أعمق في آليات إنتاج السلطة داخل النظام السياسي العراقي. فقد تزامن طرح الترشيح مع تعثّر استكمال الاستحقاقات الدستورية الأساسية، ولا سيما تأجيل انتخاب رئيس الجمهورية، ما كشف عن محدودية قدرة النخب السياسية على إدارة التوافقات العابرة للمكوّنات في لحظة سياسية تتسم بتآكل الثقة المؤسسية وتزايد الضغوط الداخلية والخارجية.
وبيّنت المقالة أن الجدل حول الترشيح اتخذ أبعادًا متعددة المستويات؛ فمن جهة، عمّق الانقسامات داخل الإطار التنسيقي ذاته، كاشفًا التناقض بين منطق الحفاظ على وحدة التحالف ومنطق تجديد القيادة السياسية. ومن جهة ثانية، أعاد تنشيط تحفظات سنية وكردية متجذّرة، ارتبطت بمخاوف من إعادة إنتاج أنماط حكم مركزية أو إقصائية، في ظل فراغ دستوري يحدّ من قدرة النظام على تقديم ضمانات سياسية مستقرة. وعلى المستوى الإقليمي والدولي، تحوّل هذا الجدل إلى ساحة تفاعل غير مباشر بين مقاربات متباينة، حيث مارست الولايات المتحدة ضغوطًا مشروطة تركّز على استقلال القرار العراقي والحد من نفوذ الفاعلين غير الرسميين، في مقابل تبنّي إيران نهجًا براغماتيًاحذرًا يقوم على إدارة النفوذ وتجنّب الحسم العلني.
وفي ضوء السيناريوهات المحتملة، يتضح أن مسار الاحتواء التوافقي، وإن بدا الأكثر ترجيحًا على المدى القصير، يظل مرهونًا بتسويات مؤقتة لا تعالج جذور الأزمة، ما يجعله عرضة للاهتزاز مع أي اختبار سياسي أو أمني لاحق. في المقابل، يحمل سيناريو التعثّر مخاطر إطالة أمد الفراغ المؤسسي وتآكل شرعية العملية السياسية، بينما يظل سيناريو التصعيد الأخطر، لما قد ينطوي عليه من إعادة رسم للتحالفات وتدويل أعمق للأزمة العراقية.
وعليه، فإن مآلات تشكيل الحكومة في العراق خلال المرحلة المقبلة ستعتمد بدرجة كبيرة على قدرة الفاعلين السياسيين على تجاوز منطق إدارة الأزمات إلى تبنّي مقاربة إصلاحية تعيد الاعتبار للمسار الدستوري وتنتج توافقات أكثر استدامة. وفي غياب ذلك، سيظل تشكيل الحكومات محكومًا بمنطق التسويات الهشّة، بما يكرّس حالة عدم الاستقرار ويؤجل معالجة الإشكالات البنيوية التي تواجه الدولة العراقية منذ سنوات.