سنستعرض النموذج الخامس لتوبة ذكرها لنا القرآن الكريم في قصة قارون بسورة القصص..
رزق الله تعالى قارون بثروة عظيمة ظاهرة للناس أجمعين، وقد كان يفرح بها فرحًا مذمومًا ويتعمد التفاخر بها حتى نصحه الصالحون ألا يفعل، يقول تعالى: }إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَىٰ فَبَغَىٰ عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ ﴿٧٦﴾{، فالله تعالى لا يحب فرح الفرحين الذين يختالون بما رزقهم.
لم يكتفِ بهذا الفرح المذموم، لكن انتقل لخطيئة أكبر، دبر وجهز وأعد موكبًا هائلًا استعراضيًا يخرج فيه على قومه ليحصل على أعلى درجات التفاخر والخيلاء والمباهاة، "فَخَرَجَ عَلَىٰ قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ"، لم يكتفِ بما يفعل من ظلم وفساد، إنما خرج في موكب هائل من العربات المزينة والخيول المطهمة، وسار على طريق مفروش بالرمال الناعمة والألوان الزاهية، والحرس على جانبي الطريق يقفون لتحيته وحمايته، خرج في هذه الزينة لكي يستعرض أمواله وقوته وحرسه؛ لكي يتكبر بها على الضعفاء ولكي يُلقي في قلوب الناس المهابة منه؛ فينصاعوا له ويعلموا أنه لا سبيل أمامهم سوى التسليم لما يريد، خرج على قومه في زينته لكي يذلهم ويرهبهم ويُلقي الحسرة في نفوسهم.
فكانت ردود أفعال الناس المصطفين حول هذا الاستعراض مختلفة: "قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ ﴿٧٩﴾ وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ ﴿٨٠﴾".
هنا يعرض لنا رب العالمين مساجلة حدثت بين طائفتين من الناس الذين كانوا يقفون في طريق موكب قارون يتطلعون إلى فخامته وزينته. الطرف الأول الذين انبهروا بما يرون من فخامة ورفاهية وأموال مكدسة وعمال يعملون له... هذا الانبهار يعني أنهم لم يوقنوا أن هذا ليس بتفضيل، إنما هو الامتحان، إنهم يرون الحياة الدنيا وفقط، رأوا أن أصحاب عطاءات الدنيا هم ذوو الحظوظ العظيمة، ومن لم ينل هذه العطاءات فلا حظ له، لم ينظروا للآخرة بما فيها من حساب على هذا الموكب وهذه الأموال، قالوا بحسرة: "يا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ".
بينما قال الطرف الثاني الذين لديهم علم بالله تعالى وبعطاءاته وحكمته من هذه العطاءات: "وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ"، العذاب لكم إن لم تعلموا أن ثواب الله تعالى على العمل الصالح خير من كل مال قارون، ولن يستحق هذا الثواب إلا من فهم الحكمة من امتحانات الدنيا وصبر عليها ونجح فيها.
فإذا بنتيجة قارون في امتحان الغنى تظهر: "فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ".
خسف الله تعالى به وبممتلكاته أمام الجميع، أعلمنا ربنا وأعلم كل الحاضرين أنه سبحانه قادرٌ على أن يُذهب المال والذهب الذي ينوء بحمله الرجال الأشداء مهما بلغت كميته، في لحظة، فماذا كان رد فعل المشاهدين الذين انبهروا من قبل؟
"وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلَا أَن مَّنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ ﴿٨٢﴾".
بعد وقوع هذه الآية المُزلزلة أمام من كانوا يتحسرون على أنفسهم أنهم ليسوا مثل قارون، تنبهوا للحقيقة الربانية، تلك التي كانوا يعلمونها لكن حب الدنيا غلب عليهم، أو أنهم تنبهوا لكلام أصحاب العلم الذين صححوا لهم معتقدهم بأن ما فيه قارون ليس هو الحظ العظيم، وأخبروهم أن المال مال الله يعطيه من يشاء، وأن العمل الصالح خير من كل هذه الممتلكات.
هؤلاء الذين كانوا في غاية الإعجاب بقارون بالأمس، وتمنوا أن يكونوا مكانه وهم يعلمون ظلمه، ظلمه في اكتساب المال، وظلمه في إنفاقه.
اليوم بعدما رأوا آيات الله تعالى في هذا الفاشل، استقبلوا هذا القدر بنجاح، فكانت توبتهم الصريحة الواضحة: "وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ"، اعتبروا واعترفوا بحكمة الله تعالى من قدره بكثرة المال أو قلته، إنها ليست للتعظيم أو الحرمان، إنها تبعًا لمشيئته سبحانه، تلك المشيئة التي جعلت من بسط الرزق أو تقديره وقلته امتحانًا وابتلاءً، تلك المشيئة التي تقدر الأقدار بكل حكمة ورحمة وعلم.
ثم حمدوا الله تعالى أن مَنَّ عليهم بعدم الخسف بهم مع قارون: "لَوْلَا أَن مَّنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا"، لماذا اعتقدوا ذلك؟ اعتقدوا ذلك لأن من لا يعلم حكمة الله تعالى من قدر الغنى وابتلاء المال، وتمنى أن يكون مثل هذا الغني العاصي فهو معه يشاركه ذنوبه ويستحق عقوبته. لكن الله تعالى لا يعجل للعبد بالعقوبة، بل يرسل إليه الكثير من الرسائل لكي يتوب، فهناك من يرى ويفهم ويتوب، وهناك من يتكبر ويكذب على نفسه ويظل على معتقده الفاسد حتى يهلك.
هؤلاء رأوا وفهموا وتعلموا وتابوا.
ثم أتوا بما يؤكد على توبتهم وفهمهم التام لقوانين الله تعالى وسننه: }.. وَيْكَأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ{، لا يفلح أبدًا من كفر بنعم الله تعالى، فلم يشكرها، ولم يردها للمنعم، لم يعمل فيها بما يحب ويرضى.
يقول تعالى: }ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابُوا مِن بَعْدِ ذَٰلِكَ وَأَصْلَحُوا إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴿١١٩﴾{ النحل.