من علامات المتطرف عدم قبوله الآخر شخصًا وفكرًا، والتعالي على الآخر ظنًا أنه بصلاته أو صيامه أو حفظه القرآن الكريم يحق له أن يتطاول على المسلمين وأن يحتقرهم أو يعتبر نفسه فوقهم ديانة أو مقامًا عند الله.
كذلك فمن علامات المتطرف شدة تعصبه لأفكار معينة، وبتتبع تلك الأفكار نجد أن أغلبها ملفات يجب ألا يتكلم فيها، فأغلبها مما وقع فيه الخلاف بين العلماء، ولكن الخطورة ليست هنا، لكن الخطورة تكمن في نقل تلك المسائل التي يتعصب لها المتطرفون من دائرتها إلى دائرة أخرى لا تمت لها بصلة.
إن هذه المنهجية القاصدة إلى زرع الخلاف بين المسلمين تأخذ عند المتطرفين أشكالًا مختلفة، فأحيانًا يعمد هؤلاء إلى قضية فقهية أصيلة في الفقه، فيحولونها إلى قضية عقدية، ثم يهاجمون مخالفيهم في هذه القضية، ثم يرمونهم بالشرك أو الكفر، أو الابتداع على أقل تقدير.
ومن منهجية هؤلاء أيضًا محاولة الانتقاص من قدر الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم بأشكال مختلفة، ومن هذا الباب ما رأيناه في أيامنا هذه من جرأة بعض المتطرفين على والدي الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، والقول بأن الوالدين الكريمين في النار، ولست أدري في الحقيقة ما المحرك لهؤلاء للخوض في مسألة كهذه لتصير حديث الناس بهذا الشكل.
تابعتُ على مدار عامين شخصًا محسوبًا على الدعوة، فهو مصنف عبر السوشيال ميديا كداعية، بل داعية بارز، يطعن في والدي الرسول صلى الله عليه وسلم، مفردًا لذلك حلقات ومنشورات، والسؤال: ماذا جنيت من ذلك؟ وما الذي يحركك نحو ذلك؟ ألم تعلم أن في ذلك إيذاءً لرسول الله صلى الله عليه وسلم؟ ألم تصل بعلمك إلى أن ذلك فعل خارج عن حد اللياقة مع الرسول الذي تنتسب إليه؟
تطور الأمر إلى آخر محسوب على الدعوة أيضًا تصدر للرد على بعض الفرق الإسلامية، وهو معروف بتشدده وحدة لسانه ومنطقه، فوجدناه يطعن في والدي الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم بشكل لا يليق أبداً مع الجناب النبوي الشريف، حتى جاء ثالث وكرر نفس الفعلة، لكن هذه المرة تم تداول مقطعه عبر السوشيال ميديا على نطاق واسع، وقد تابع الجميع ما آل إليه أمره.
وقد تزامن هذا الأخير مع وقفة صارمة من المؤسسات الدينية التي بينت أن والدي الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم متفق بين أهل العلم على أنهما من أهل الفترة، وأن الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم تنقل من الأصلاب الطاهرة إلى الأرحام الطاهرة، وأن الخوض في مثل هذه الملفات، والجرأة على المقام النبوي الشريف أمر يجب أن يحذر الإنسان منه أشد الحذر.
والذي نقف عنده بهذا الشأن هو: أهلية هؤلاء للكلام في الدين، ونقول: إن المؤمن الحريص على دينه يجب أن يتنبه جدًا إلى المصادر التي يستقي منها مفاهيمه الدينية، فلا يتصور أننا نلجأ لأهل التخصص في كل شأن من شؤون حياتنا، ونتقن ذلك ونحرص عليه، ثم نتهاون في أمر ديننا، فنأخذه من كل أحد، حتى لو كنا لا نعلم هويته وخلفياته الفكرية، بل صار هذا هو النسق الرائج.
إن المسلم الواعي يجب أن يحرص على تلقي الدين ومفاهيمه وتعاليمه من المتخصصين الذين درسوا الدين على أهله، وأجيزوا للتصدر والفتيا، وعرفوا بالاعتدال وعدم الشطط أو التعصب، فبين أيدينا مؤسسة الأزهر العريقة التي نشرت الدين في ربوع الأرض على مدى الأزمان، كيف نغفل عنها وعن علمائها ثم نأخذ الدين عن غير أهله، فما انتشر التطرف أو الشطط إلا من هذا الباب.
إن أثر وسائل التواصل يتنامى، وقد بانت آثاره السلبية في هذا الجانب (جانب التلقي)، مما يحتم علينا الارتقاء بالوعي، ونقد ما نسمع وما نقرأ، كي يسلم لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا.