ناقد فني: الإذاعة المصرية تحافظ على تأثيرها رغم السوشيال ميديا والبودكاست
قال الناقد الفني أحمد سعد الدين، أن الإذاعة المصرية لا تزال تحتفظ بمكانتها التاريخية وتأثيرها العميق في وجدان الجمهور، رغم الطفرة الهائلة في وسائل الإعلام الحديثة، وعلى رأسها منصات التواصل الاجتماعي والبودكاست، مشيرًا إلى أن سحر الصوت لا يزال قادرًا على جذب المستمع والتأثير فيه بقوة لا تقل عن الوسائط البصرية، موضحًا أن الرهان على اختفاء الإذاعة مع تطور التكنولوجيا ثبت فشله، لأن الإذاعة تعتمد على علاقة خاصة مع المتلقي، قوامها الخيال والصدق والقدرة على الوصول إلى الجمهور في أي وقت ومكان، دون الحاجة إلى صورة أو مشهد بصري.
لحظة ميلاد إعلامية صنعت الوجدان المصري
وأضاف سعد الدين، خلال مداخلة هاتفية على فضائية صدى البلد، أن الانطلاقة الرسمية للإذاعة المصرية عام 1934 شكلت نقطة تحول محورية في تاريخ الإعلام المصري والعربي، عندما انطلقت العبارة الخالدة «هنا القاهرة» بصوت الإذاعي الراحل أحمد سالم، لتعلن ميلاد مؤسسة إعلامية وطنية جامعة، وهذه اللحظة جاءت بعد قرار ضم الإذاعات الأهلية تحت مظلة حكومية واحدة، ما منح الإذاعة هوية رسمية وقدرة تنظيمية ساعدتها على الانتشار السريع، وتحولها إلى صوت الدولة والمجتمع في آن واحد، وهو ما عزز ثقة الجمهور بها منذ اللحظة الأولى.
ولفت إلى أن ظهور التليفزيون المصري عام 1960 لم يؤثر سلبًا على الإذاعة كما توقع البعض، بل على العكس، استطاعت الإذاعة أن تحافظ على جمهورها، بل وتعيد تقديم نفسها عبر تنويع محتواها بين الأخبار والبرامج الثقافية والدينية والأغاني والمسلسلات الإذاعية، حيث أن الإذاعة امتلكت ميزة فريدة تمثلت في قدرتها على مخاطبة خيال المستمع، مؤكدًا أن عنصر الخيال يمثل أحد أهم أسرار جاذبية الإذاعة، حيث يشارك المتلقي في بناء الصورة الذهنية، وهو ما يخلق تفاعلًا أعمق وأكثر استدامة مقارنة بالمحتوى المرئي الجاهز.
برامج خالدة صنعت الذاكرة السمعية للأجيال
وأكد الناقد الفني، أن أجيالًا كاملة ارتبطت ببرامج إذاعية أصبحت علامات فارقة في تاريخ الإعلام المصري، وعلى رأسها برنامج «كلمتين وبس» للفنان فؤاد المهندس، الذي قدم من خلاله نقدًا اجتماعيًا ساخرًا بأسلوب بسيط وذكي وصل إلى مختلف فئات المجتمع، وهذه البرامج لم تكن مجرد فقرات ترفيهية، بل أدوات تثقيف وتنوير ساهمت في تشكيل الوعي الجمعي، ورسخت لقيم اجتماعية وإنسانية ما زالت حاضرة حتى اليوم في الذاكرة المصرية.
وتوقف عند مجموعة من الأسماء الإذاعية البارزة التي لعبت دورًا محوريًا في ترسيخ مكانة الإذاعة، وفي مقدمتهم محمد محمود شعبان الشهير بـ«بابا شارو»، الذي ارتبطت به ذاكرة الطفولة لدى ملايين المصريين، كما أشار إلى الإعلامية إيناس جوهر، التي قدمت نموذجًا مميزًا للإعلامية المثقفة القادرة على الجمع بين الرصانة والجاذبية، إلى جانب الإذاعي أحمد سعيد، مؤسس إذاعة صوت العرب عام 1953.
صوت العرب ودور الإذاعة في دعم القضايا الوطنية
وفي ختام حديثه، أوضح الناقد الفني، أن إذاعة صوت العرب لعبت دورًا محوريًا في دعم حركات التحرر الوطني في الوطن العربي، وكانت منبرًا رئيسيًا للقضايا القومية، ما منح الإذاعة المصرية بعدًا سياسيًا وثقافيًا تجاوز الحدود الجغرافية، مؤكدًا على أن الإذاعة، رغم تغير أنماط الاستهلاك الإعلامي، ما زالت قادرة على التطور ومواكبة العصر، طالما حافظت على جوهرها القائم على المصداقية، واحترام عقل المستمع، والاستثمار في قوة الصوت كأداة لا تفقد تأثيرها مهما تغيرت الوسائط.

